رسائل مغلّفة.
الساعة : 4 عصراً المكان : … في هذا اليوم الذي اختلف في شكله وأحداثه وروتينه ، لم يكن ما حدث مجرد جولة تسوّق عابرة، بل كان مشهدا طريفا حمل في دقائقه وساعاته رموزاً .. كانت دروسا ، وتُحاك فيه الحكاية بخيوط خفيفة من الدعابة والدهشة والتأمل . اتصل بي صاحبي على عجل ، يدعوني إلى التسوق، وهو يعلم كرهي للأسواق إلا أسواق الخردوات؛ فانطلقت معه ، فإذا به يسابق الطريق كأنما يلتهمه التهامًا ، يتسلل بين الأزقة الضيقة حتى بلغنا قلب المدينة أو ما يسمى (زبرة العيد ) . هناك أخذ يتنقل بين محلات الجملة، ثم استقر بنا المقام عند متجر يعجّ بأدوات النظافة والبلاستيك . وهذه المحلات نقطة ضعفي في التسوق ، واشترط علي ألا أمسّ شيئاً أو ابتاع أو أتبضع ؛ لأن هناك حكاية أخرى ستعرف خطوطها في الكشتة البرية التي تجمع الأصحاب . بدأ يختار أشياء متفرقة : معقما لليدين - فتذكرني بكورونا لا أعادها الله من أيام - ، وأكياسًا صغيرة للنفايات ، ثم سأل عن معقم للفم ! استغربت وقلت : “هذا مكانه الصيدلية”، فأجابني بإصرار: “سنجده هنا”. ومضى يبحث كمن يطارد طريدة لا تُرى . ثم أضاف إلى سلّته كمامة ، وسدادات أذن ، ومقصاً صغيرا حادا ، ومقص أظافر … وكلما سألته عن غايته ، قابل سؤالي بصمت غامض ، أو بابتسامة لا تُفصح ، أو بهز الاكتاف ورمش العيون . انتهت الجولة ، ولم يتجه إلى منزله ، بل أبقى الأغراض في سيارته . جلسنا بعدها على قهوة هادئة ، وتحت إلحاحي كشف لي سرّه . قال وهو يبتسم : “هذا المعقم ، سأهديه لصديق امتلأ لسانه بالكذب ، لعله يُطهّر حديثه . وهذا المقص ، لذاك الذي يقطع أعراض الناس في المجالس ، فليكن القطع في يده لا في ألسنته . أما الكمامة ، فسألبسها حين ألقاه … فقد تعبت من روائح الغدر . وسدادات الأذن ، لأحمي سمعي من غيبته. وأما مقص الأظافر ، فهديتي لمن امتدت يداه بالإساءة ، لعلّه يُقلّم أذاه.” ثم أضاف ضاحكًا : “وسأغلفها جميعا كهدايا … فبعض الرسائل لا تُقال ، بل تُهدى!” ظننت أن الحكاية انتهت عند هذا الحد ، فإذا به بعد أيام يعاود الاتصال ، وبالنبرة ذاتها : “هلمّ بنا إلى جولة أخرى!”. ترددت هذه المرة ، لكن الفضول وحب التلصص ساقني إليه . ركبنا وإذا به يحدد قائمة جديدة : ساعة ، شمعة ، كتاب لم يُفصح عن عنوانه ، وبخور . ابتسمت وقلت : “بدأت أفهم لعبتك … لكن إلى أين تمضي هذه الرموز؟” هنا أطال الحديث ، وكأن الفكرة كانت تختمر فيه منذ زمن . قال : “ بعض الغربيين ، وخصوصا الأمريكيين ، يهدون أصدقاءهم ما يفتقدونه… وقد تتحول إلى دعابة لطيفة ؛ فيهدون المتأخر ساعة ، ويترصّدون المناسبة : عيد ميلاد، أو حفلة، أو لقاء عابر … كأن الهدية تبتسم ، لكنها تُلمّح .” لمّا سمعت ذلك ، شعرت بشيء من القلق يتسلل إليّ - خشيت الفضيحة - كأنني دخلت فجأة في قائمة غير معلنة ! التفت إليه خائفا أترقب ، فابتسم وقد قرأ ما في وجهي ، وقال مطمئنا : “ لا تثريب عليك ، يغفر الله لي ولك - نحن مبرؤون من العيوب !!- … الأمر أهون مما تظن.” قلت مازحا ، وأنا أختبر حدود هذه الفكرة : “لي رغبة في البخور … لكن أخشى العواقب!” فضحك ، وكانت قهقهة نادرة منه ، كاد أو أوشك أن يقع على قفاه ، ثم قال وهو يلوّح بيده : “يكفيك أو تكيفك الساعة!” عندها أدركت أن هذه الرحلات ليست تسوقا ، بل رسائل مغلّفة ، وأن بعض الهدايا … ساعة توقظك ، أو شمعة تضيء لك ، أو كتاب يتركك تبحث عن عنوانك فيه ، وربما بخور … إن سلمت من تبعاته .. سألته عن أكياس الزبالة .. قال ستعرف لمن … بعد نهاية الرحلة ؛ فوجمت فاغراً فااااي . بريدة M2557@gmail.com