الخطوط الحمراء
كثر مؤخرا ومع الحرب الجارية استخدام عبارة (خط أحمر غير قابل للتجاوز)، كفانا الله وإياكم شر الحروب وويلاتها، وما أنا بصدد طرحه في هذا المقال، الخطوط الحمراء في الأدب من شعر وقصة ورواية، أو ما يطلق عليه التابو، الأصل لكلمة التابو أنها بولينيزية تنتمي لسكان جزر المحيط الهادئ تعني “المحرم” أو “المقدس”، وبصيغة أخرى تتوافق مع طبيعة بيئتنا هي “الممنوع” والتابوهات تعتبر معايير مجتمعية تحدد ما يعتبر سلوكا وخطابا مقبولا أو غير مقبول، وهي متجذرة بعمق في السياقات الثقافية والدينية والاجتماعية، وغالبا ما تشكل رؤيتنا للعالم وتفاعلاتنا. تتفاوت نظرة الشخص إلى التابو طبقا لخلفيته الثقافية ومعتقاداته الدينية والبيئة المحيطة به، ومن المنطق آن التابو يتجدد عبر الزمن كما هي ظاهرة (الصيرورة) أو التحول في بيئة المجتمع فمثلا التابو السلوكي في زمن معين كان تعليم المرأة ثم تحول في زمن لاحق إلى عمل المرأة إلى أن أصبح قيادة المرأة، وهذا يدل على آن هذه التابوهات نخلقها ونقيد أنفسنا بها دون تفكير جدي بسلبيتها، فمن الاهمية إذا كان لزاما علينا وجود التابو أن لا يكون مانعا للتجديد والتطور ، كذلك ونتيجة لتحول الإعلام نحو الفضاء الإلكتروني الواسع وغير المقيد وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبح بالإمكان الكتابة بجرأة أكثر فالخطوط شديدة الحمرة منذ عشرة أعوام ، بهتت وخف احمرارها، ونتيجة لمجاراة العصر ضاقت وتقلصت دائرتها ،فالقيود والحواجز موجودة وإن تجددت، وسيستمر وجودها بحكم طبيعة مجتمعنا المحافظ والكاتب في استطاعته أن يوصل أفكاره دون المساس بهذه القيود والقفز عليها عبر الإسقاط أو الترميز . استنكر علي صديق أديب استخدامي عبارات دارجة يعتبرها البعض خادشة للذوق العام على لسان بطل إحدى قصصي القصيرة بدعوى أنني يجب أن أترفع في كتاباتي عن ما يمكن قوله في الاستراحة أو المقهى، فذكرت له أن للأدب دورا كبيرا ومهما في كشف عيوب المجتمع، ومن المنتظر منه أن يكون مرآة تعكس ظواهره؛ ما يدور في الشارع، في المقاهي والاستراحات، وخلف أسوار المنازل، حتى قضايا غرف النوم، فالحميمية مثلا جزءا من حياتنا، هاجس الشباب والكبار، لكن على الأديب عند طرحه ان لا يكون الهدف منه الإثارة الجنسية ولا يبالغ في استخدامه والإسفاف حين تناوله، ففي الثمانينيات، خنق الأدب ولم يكن مقبولا ومسموحا له إلا إظهار الجانب المثالي والملائكي للمجتمع، بينما في الخفاء والظلام انتشرت أورام وبثور مجتمعية مثل الخمور السامة والأشد خطرا المخدرات وبعد أن استفحل الأمر ظهرت الحقيقة المؤلمة (لا للمخدرات) . على أي حال الكاتب يتناول موضوعات مجتمعه وتعكس كتاباته قضاياه، لكن من الحكمة ان لا يبالغ ويتخطى في طرحه الخطوط الحمراء الجديدة، فالكاتب في الأساس هو الرقيب الأول لما يكتب يليه في نطاق أوسع معارفه، وأكثر أهمية عائلته ثم يأتي الدور النهائي للمجتمع وممثله الرقيب الرسمي . على ذكر الرقيب الرسمي، والشيء بالشيء يُذكر، قرأت مقالا للزميل الكاتب عبد المحسن الماضي في جريدة الجزيرة بخصوص معوقات النشر في المملكة بعنوان (متى يُطلق النشر السعودي من عقاله؟) يذكر فيه آن ما لا يتم فسحه من قبل الرقيب في وزارة الإعلام يتم دفعه لدور النشر في البلدان العربية المجاورة، ثم يسمح له بالتوزيع في المملكة ويتساءل (فإذا كانت تلك المؤلفات تفسح للتوزيع داخل المملكة فلماذا تمنع من الفسح لطباعتها في المملكة ومنحها «ردمك» وطني؟) ويختم مقاله (لماذا تسمح وزارة الإعلام أن تفقد بلادنا هذا الكم الكبير من الإنتاج الثقافي والمعرفي الوطني ويسجل باسم غيرنا، فهذا هدر لقوة ناعمة يحق لنا أن نطالب بها... ومتى يعي القائمون على رقابة الكتب أننا في مرحلة جديدة وأن التحوطات الرقابية القديمة فات أوانها). استفسار منطقي ومعقول!! ختاما، من الضرورة التأكيد على أنه من غير المقبول ولا المستساغ أن يقوم الكاتب بدعوى الإبداع، بالمساس بمعتقداتنا أو الانفلات في إثارة الغرائز التي تخالف الذائقة الأدبية والأخلاقية لمجتمعنا، كذلك علينا -في الوقت نفسه- آن لا نغلق الفكر والتأكد من آن الخطوط الحمراء/ الممنوع يتماهى مع واقع العصر ولا يتعارض معه.