إيران بين توازنات موسكو وحسابات بكين.
مع دخول المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران شهرها الأول، تتكشف ملامح مشهد دولي شديد التعقيد، يتجاوز في حقيقته حدود الصراع المباشر ليعكس صراعاً أوسع على موازين القوة والنفوذ، فالتفاعلات الجارية لا يمكن قراءتها بمعزل عن حسابات القوى الكبرى، التي تتعامل مع الأزمة باعتبارها ساحة لإدارة التوازنات، لا لحسمها بشكل نهائي. في هذا الإطار، تبدو روسيا لاعباً يسعى إلى توظيف الأزمة ضمن صراعه الممتد مع الغرب، فالحرب في أوكرانيا لم تنهك موسكو فحسب، بل دفعتها أيضاً إلى البحث عن مسارات بديلة لتخفيف الضغط الغربي، ومن هنا، فإن انخراط الولايات المتحدة في جبهة جديدة يمثل، من منظور روسي، فرصة لإعادة توزيع الانتباه والموارد الأميركية، وهو ما يمنح موسكو هامشاً أوسع للمناورة. غير أن هذا لا يعني أن روسيا معنية بتصعيد مفتوح في المنطقة، على العكس، فإنها تميل إلى إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، بحيث يتحقق استنزاف تدريجي دون الوصول إلى انفجار شامل، ولهذا، تفضل موسكو العمل من خلف الستار، عبر أدوات غير مباشرة، سواء في المجالين التقني والاستخباراتي، أو من خلال توظيف نفوذها السياسي لعرقلة أي خطوات قد تمنح غطاء دولي لتوسيع الحرب. هذا السلوك يعكس براغماتية واضحة، فروسيا لا تنطلق من التزام عقائدي تجاه إيران، بل من قراءة دقيقة لمصالحها الاستراتيجية، فهي تدرك أن انهيار طهران سيعني تعزيز موقع الولايات المتحدة، وربما انتقال الضغوط لاحقاً نحوها بشكل أكثر حدة، لذلك، فإن الهدف الروسي يتمثل في منع هذا السيناريو، دون التورط في مواجهة مباشرة قد تكون كلفتها أعلى من مكاسبها. أما الصين، فتقف في موقع مختلف، تحكمه اعتبارات اقتصادية بالدرجة الأولى، فبكين، التي بنت صعودها على الاستقرار والانفتاح التجاري، تنظر إلى أي اضطراب في أسواق الطاقة بوصفه تهديداً مباشراً لنموها، ومن هنا، فإنها تتعامل مع الأزمة بحذر بالغ، يوازن بين الحفاظ على علاقاتها مع إيران وتجنب الصدام مع الغرب. الصين لا تملك رفاهية الانخراط في مغامرات عسكرية أو سياسية غير محسوبة، ولذلك، فإنها تفضل تبني نهج هادئ يقوم على التهدئة وتشجيع الحلول الدبلوماسية، حتى وإن كان ذلك يتم بعيداً عن الأضواء، وفي الوقت نفسه، تحرص على إبقاء قنواتها الاقتصادية مع طهران مفتوحة، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة وعدم انهيار أحد أطراف المعادلة. هذا الدور يمكن وصفه بدبلوماسية الخطوط الرمادية، حيث لا انحياز كامل ولا حياد مطلق، فالصين تدعم بقدر ما يحفظ مصالحها، وتضغط بقدر ما يمنع التصعيد، وهي معادلة دقيقة، تعكس إدراكاً عميقاً لحساسية اللحظة وخطورة الانزلاق نحو مواجهة أوسع. وعلى الرغم من اختلاف منطلقات موسكو وبكين، إلا أن ثمة تقاطعاً واضحاً في رؤيتهما العامة للصراع، فكلاهما يرفض فكرة الحسم السريع الذي يفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوى بشكل أحادي. ومن هذا المنطلق، فإنهما يفضلان بقاء الوضع ضمن حالة توازن نسبي، لا غالب فيها ولا مغلوب، بما يحول دون انفراد قوة واحدة بقيادة المشهد الدولي. هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تنسيقاً كاملاً، لكنه يعكس التقاء في المصالح، فالعالم، من وجهة نظر هاتين القوتين، لا ينبغي أن يدار بمنطق الهيمنة، بل بتوازنات معقدة تتيح لكل طرف مساحة للحركة، وفي هذا السياق، تصبح إيران جزءاً من معادلة أوسع، تتجاوز حدودها الجغرافية إلى ما هو أبعد. ومع ذلك، فإن هذا التوازن يظل هشاً وقابلاً للاهتزاز، فثمة عوامل قد تدفع الأمور نحو مسارات مختلفة، أبرزها احتمال تصعيد كبير يهدد أمن الملاحة أو استقرار أسواق الطاقة، في مثل هذه الحالة، قد تجد الصين نفسها مضطرة إلى إعادة تموضعها، بما يتناسب مع أولوياتها الاقتصادية، وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا، التي قد تعيد حساباتها إذا ما تغيرت معطيات أخرى في علاقاتها الدولية. كما أن تطورات الساحة الأوكرانية، أو أي تفاهمات محتملة بين القوى الكبرى، قد تلقي بظلالها على طبيعة المواقف الحالية، فالعلاقات الدولية لا تدار بمعزل عن بعضها، بل تتشابك فيها الملفات بشكل يجعل أي تغير في أحدها قابلاً للانعكاس على البقية. في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع تقليدي، بل هو اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة التوازن في عالم يتجه نحو تعددية أكثر تعقيداً، فالحسم لم يعد الهدف، بقدر ما أصبح التحكم في مسار الأحداث هو الغاية الأساسية. ويبقى القول، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث تتداخل الحسابات الدولية مع الوقائع الميدانية، وبين التصعيد والاحتواء، يظل الخيار المرجح هو استمرار إدارة الأزمة ضمن حدود التوازن، بما يمنع الانهيار الشامل، دون أن يفضي إلى تسوية نهائية، إنها لعبة دقيقة، عنوانها الأبرز، الحفاظ على المصالح دون إشعال حرب لا يمكن السيطرة على نتائجها. * باحث ومستشار سياسي