المشي!

المشي أفضل ما اكتشفه الإنسان؛ ولولاه لما اكتشف كل الأشياء التي جاءت بعده بدءا من النار. أن تمشي يعني أن تدخل في الزمن، تدخل في الحركة، وتوغل في المكان؛ فتبدأ في اكتشاف العالم. كانت تجربة النرويجي إيرلنغ كيج من أجمل تجارب المشي وأكثرها إلهاما. سجّل كيج هذه التجربة في كتاب لطيف، ممتع في قراءته، لا تفرغ منه حتى تود أن تعود إليه. ما راقني في هذا الكتاب أنه يتحدث عن المشي بطريقة إبداعية يلتقط فيها تفاصيل الشعور بملكة انتباه عالية. ذكّرني كيج بشيء من تجربتي مع المشي في مانشستر، كنت في تلك الرحلة أمشي بحب، أمشي معتبرا أن الطريق غاية، وأظن أنني في تلك الرحلة قطعت عشرة آلاف كيلو أو أكثر دون أن أشعر، فكانت رياضة غير مقصودة أعادتني نحيلا كعود الخيزران. مجرد قدمين تمشيان وأطراف، إلى أن عدت إلى مألوفاتي فعدت إلى عالم السعرات الحرارية. يقول كيج عن تجربته:”مشيت من مدن إلى مدن، مشيت في أثناء النهار وأثناء الليل، من الأحباب وإلى الأصدقاء. مشيت في الغابات والجبال، وعبر سهول مغطاة بالثلوج، ومشيت عبر بيئات بريّة روّضها الإنسان. مشيت وأنا أشعر بالملل، ومشيت للابتعاد عن التوتّر. مشيت وأنا متألّم، ومشيت وأنا سعيد. وبصرف النظر عن المكان والسبب، لقد مشيت ومشيت. أعدّ نفسي مشيت إلى أقاصي العالم”. وقد خلص، بعد كل هذا التطواف في العالم، إلى هذه الثمرة، وهذه الحقيقة:”تدوم الحياة أكثر عندما نمشي. المشي يطيل اللحظات الراهنة”. وغيرها من الحقائق التي لا تكتشفها إلا بالمشي فأن تمشي يعني “أن ترى نفسك، أن تحب الأرض، وتسمح لجسدك بالتحرّك بالإيقاع ذاته مثل روحك”. كتاب المشي لإيرلنغ كيج كتابٌ يحرّض على المشي الأنيق ويعيد الاعتبار للأرصفة الشوارع المضاءة وغير المضاءة.