مآزق التخيّل.
قبل أن أبدأ حكاية اليوم أود أن أوضح بأن التخيل نعمة اختص بها الخالق الجنس البشري إذ لــــم أسمع في يوم ( وقد أكون مخطئاً) أن بقرة أو خروفاً أو حتى شمبانزيا تخيّل حدثاً ما وتصرف بناء على تخيلاته. الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتخيل فأنجز بخياله الكثير من الاختراعات التي جعلت تفاصيل حياته أسهل وأكثر رفاهية. السؤال هل كل تخيلاتنا تكون نهاياتها سعيدة؟ قال لي صاحبي أنه خرج في يومٍ من مقرّ عمله في آخر دقيقة من ساعات الدوام مُنهكاً، فقد كان يومه مُثقلاً بكثيرٍ من المسؤوليات وفي أثناء طريق عودته لملاذه الآمن، أو عشّه الدافئ كما وصفه لي، وبينما كان يسير سير السلحفاة أو ابطأ في ساعة الاكتظاظ المروري على الطريق الدائري الشرقي في العاصمة الرياض بدأت خيالاته تغزو عقله. تخيّل بأن زوجته قد أعدت له غداءً فاخراً (كبسة زر نثري يعلوه لحم حاشي وكشنة صنوبر وزبيب مقلي) مردوفاً بصحن باميا غارق بالصلصة والثوم ولا بد بعدها من كأس لبن خاثر يُؤدي لقيلولةٍ، بل سمها غيبوبة مُؤقتة إن شئت. وصلتُ (حسب سرد صاحبي) وأنا أحث الخطى نحو سفرة الطعام. توجّست حينها خيفة إذ كان البيت أشبه بصمت القبور. قابلتني أم العيال بوجهٍ شاحب. سلامات، عسى خير؟ اعتذرت لي بكل ما تحفظه من عبارات التأسف ثم نزلت الصاعقة التي اخترقت جمجمتي ودمّرت مراكز التفكير في دماغي “أسطوانة الغاز أفرغت ما في جوفها ولم أطبخ هذا اليوم” “تبخرت كل تلك التخيلات والحمد لله أنني ضبطت أعصابي وقتها ولم أرمِ عليها يمين الطلاق” هكذا أنهى صاحبي حكايته. لا ريب بأن الخروف لم يكُ في استطاعته تخيّل طعم الجرجير أو البقدونس فيرضى بما يقضم من حشائش متاحة لأنه لم يُمنح ذهناً يتخيل غير ذلك الطعم. الانسان وحده هو الذي وصل به الخيال الى صُنع هيكل معدني ضخم يطير في السماء كالطيور ويقطع مسافات طويلة في ساعاتٍ محدودة. قال طلاق قال! *لندن