قراءة في التجربة الشعرية للشاعرين أحمد السيد وعلي رديش..

تجربة جازانيّة خالصة.

تكاد لا تخلو تجربة شعرية في مكانٍ ما في العالم من صراع القديم والجديد، أو جدل التجديد حسب الدكتور سعد البازعي، حدث هذا في مصر وفي العراق، وحدث لدينا خاصةً في الحجاز التي كانت أقرب للتأثيرات الثقافية التي تُعدّ عوامل أساسية لمثل هذا الجدل. في جازان الشاعرة ـ كما يُحب أهلها تسميتها، كان للسنوسي والعقيلي ريادة المشهد الشعري في منطقة جازان بلا شك، ثمّ خرج من بعد جيل الروّاد مجموعةٌ من الشعراء هم أهم شعراء منطقة جازان في السبعينات والثمانينات، ونعلم كيف اتّسمت هذه المرحلة بتحولات لم يكن تفاديها ممكناً، كان لا بدّ من الاصطفاف عبر نصٍّ يمثّل أيدلوجيا ما. فبعد شعراء كبار من مثل: إبراهيم مفتاح وعلي صيقل، علي النعمي وحسن القاضي، أحمد البهكلي وإبراهيم صعابي، حسن أبو علّة وأحمد الحربي، وآخرين. كان على الجيل الجديد أن يختار بين أدبٍ إسلاميٍّ كانت له سلطةٌ معنويةٌ لا يمكن إنكارها، وبين أدبٍ حديثٍ هو ابن لحظته قبل أن يُراهن على المستقبل. والمتتبع لشعراء التسعينات في منطقة جازان يلاحظ مسارين فكريين تمثّلت في نصوص الشعراء، لا بل دواوينهم، وما الشاعر إلا اختيارات في آخر الأمر. نجد هناك من يمثّل الأدب الإسلامي مثل الشاعر مهدي حكمي في ديوان “لا تسلني عن جراحي 1998 م” والشاعر عيسى جرابا في ديوان “لا تقولي وداعاً 1999 م” في أكثر التجارب وضوحاً. ونجد هناك على الضفة الأخرى من يمثّل الشعر الحديث ويتبنّى حركة التحديث في مرحلة الثمانينات مثل الشاعر علي الحازمي في ديوان “بوابة الجسد 1993 م” والشاعر علي الأمير في ديوان “بوصلة واحدة لا تكفي 1995 م” والشاعر إبراهيم زولي في ديوان “رويداً باتجاه الأرض 1996 م” والشاعر محمد حبيبي في ديوان “انكسرتُ وحيداً 1996 م”. بالطبع هناك من أصدر دواوين في تلك المرحلة تحاول ألا تنتمي إلا لتجربتها الشخصية من مثل: الشاعر عبد الله الفيفي في ديوان “إذا ما الليل أغرقني 1990 م” والشاعر حسين النجمي في ديوان “عيناك في وقت الرحيل 1993 م” والشاعر حسين سهيل في ديوان “وللأقمار باب عام 1999 م” لكنها لم تُظهر خصوصيةً ما تنمّ عن خياراتٍ جديدةٍ للقصيدة، ربما لأنّ كلاً منها يُعدّ ديواناً أولاً لشاعره، فقد أصبحوا تجارب شعرية مهمّة فيما بعد، لا شكّ في ذلك. في ظلّ هذا الجدل الذي هو صدى بشكلٍ أو بآخر ـ دون إقصاء وعي الشعراء واختياراتهم ـ لصراع مرحلة الثمانينات، كان هناك من يغزل ـ بأناةٍ ـ قصيدةً تنتمي إلى جازان هوىً وطبيعةً ولغةً ومفرداتٍ خاصّةٍ (يا غارة الله ـ لك الله ـ بذمّتك ـ الله يستر، وسواها) وموضوعاتٍ لا تهتمّ كثيراً ـ أو تكاد ـ بما يحدث في المشهد الشعري الذي لم تنطفئ ناره بعد. ويمثّل هذه التجربة الخاصة بامتياز الشاعر أحمد السيد والشاعر علي دريش، والمفارقة الأولى في تجربة هذين الشاعرين أنهما زهدا في طباعة شعرهم معاً، بالرغم من تداول بعض قصائدهم لسنواتٍ، ثم المفارقة الأهم أنهما يطبعان أخيراً معاً، وفي نفس العام: ـ ديوان “زجاج” ـ أحمد السيد عطيف ـ نادي الرياض الأدبي ـ الطبعة الأولى 2009 م. ـ ديوان “بين الزحام” ـ علي رديش دغريري ـ نادي جازان الأدبي ـ الطبعة الأولى 2009 م. بدايةً نجد أنّ هناك انحيازاً شفيفاً لجازان في الديوانين، في لغةٍ بسيطةٍ وعاطفةٍ صادقة، جازان بكل تفاصيلها: الإنسان والتاريخ والمواضع والنباتات العطرية (الفلّ ـ الشذّاب ـ الدوش) والأوديةً (خُلب ـ الدحن ـ وادي الشيخ ـ دهوان)، يقول علي رديش: عن جدودي، إسأل الأرضَ تُجبكَ، وإمّا شئت فاسأل “خُلبا” إنّ لي فيه تــرابــاً، إنّ لـي من كـــريم الطيب أمّـاً وأبـــا ويقول أحمد السيد: بهيجة الخـــدّ إنّا نازلـون هنا يا عمـركِ الله ردّي دوننا الُحجبا متاعنا الحبّ مهما كنتِ في سعةٍ فليس عندكِ ما نلقى بها “خُلبا” ولا ضفــائر طابت طيبه أرجــاً ولا صحــــابة ســالوا سيله ذهبا وهناك اعتدادٌ واثقٌ وشهيٌّ بجازان، وكل مقارنةٍ مكانيّةٍ مع جازان ـ المكان، ينحاز فيها الشاعران لجازان بلا أدنى ترددٍ، يقول علي رديش: أنا حدّ علمي في العيـون أذىً تُؤذي، ولا تُودي إلى القتلِ إلا “الرياض” ظباؤها كشفت ألحاظهنّ النجل عن جهـلي فتّانة اللفتـات، فيكِ أرى عــزّ النفــود، وهيبة النخــــلِ لا تسألي من أين جئتُ؟ ومن سـوّى عيونكِ أخّري سؤلي لا تســألي، وتأمّلي سمتي تُنبيك عـن أصـلي وعن فصـلي أنا من رُبى جازان أهل ندىً أهلي، وأرباب الهـوى أهلي لفّــاح غُبـرتهــا على رئتي نِسَمي، وحــرُّ صيوفهــا ظلّي أنا طائرٌ أهوى “السّباخ” رطوبتها، وأهوى الدفء في الحقلِ ما لي وبـرد شمــالكم، وضجيج دروبه، كم صلّفت عقلي! أنا عندكم ـ بي ما يؤرّقني ـ ضيفٌ، ولي عن شُغلكم شُغلي ويستعيذ أحمد السيد بالله من “جدة” بكل تفاصيل “جازان” منحازاً وطالباً المدد، يقول: لعبت “جـدة” فينا لعباً لعبت فينا ولم ترحـــــم أحدْ هُزّ قلبي يستعد حشمتهُ هُزّه قل: يا جميـلات “ضمدْ” يا تباريح هوى “صامطةٍ” يا صلاة الروح غربيّ “الأحدْ” أنا من عشـر سنينٍ مبعدٌ غربتي طالت وعمري يُضطهدْ من لنا يا غـــارة الله؟! ألا مدداً يا أهل “جيزان” مددْ وثمّ العديد من السمات التي تتميّز بها قصائد الشاعرين منها ما يختصّ باللغة، ومنها ما يختصّ ببنائية النصّ، ربما يحتاج ذلك إلى بحثٍ مفصّلٍ في وقتٍ آخر، لكننا سنذكر هنا بعض البُنى في التركيب يستند إليها النصّ في تجربة الشاعرين، وهي: أولاً: الجمل الاعتراضية: نجد استخدام الجملة الاعتراضية داخل البيت يكاد يمثّل وحدة بناء أساسية، ويتكرّر ذلك كثيراً عند الشاعرين، يقول أحمد السيد في قصيدته الأشهر “شهد الخليّ”: جئنا نبـــوحُ بمــا فينــا، فــأوّلـنــا عـــذرٌ وآخـــرنا عُتبــى فــذوقينا جازان ـ نحن على الأبواب ـ هل وصلتْ بك المواصيلُ أن نهفو فتجفينا ويقول: كدنا نصلّي على آثار خطـوتها لكن تخلّت، فأكرمنا نواصينا إنّا ـ لك الله ـ لم نخذل شمائلنا، ويعلم الله لا نحيا مساكينا ويقول في نصٍّ آخر: أرجوك لا تشفع لها. نِعم الحجاز وأهله لكنّ “جدة” عفتها أشفق عليّ ـ أنا أخوكَ ـ ولا تجرّعني المرارة، إنّني جُرّعتها طلقتُ “جدة” يا حمود ولم تعد في خاطري، طلقتها، طلقتها ويقول في نصٍّ آخر: عذيري من التحنان أنّ أحبتي أضاعوا مفاتيح المحبة والعُذرا كأنّهمُ ـ والله يسترُ ـ إنّما أرادوا بنا... لا بل أرادوا بنا ضُــرّا أما عند الشاعر علي رديش، فيقول: أعد لي ـ لو سمحتَ ـ شباب نفسي إلى نفسي، وخذ ما شئتَ منّي إلا كم أحتسي عبث الأمـــاني؟! وتغريني دهـــــــــــاليز التمنّي كبرتُ، فلي عن النزوات عُـــذري وعن بوح الهــــوى ما يمنعنّي ومن حــذرٍ أُسارق طـــرف عيني مخــــافة أن يقول الناس: إنّي! ويقول في نصٍّ آخر: من منصفٌ للمحبّ؟ ليس لنا شـــرعٌ له نشتكــــي، ولا حــــكمُ أُريدُ ـ ممّا أُريدُ ـ محكمـــةً نقعـــــــــد والظــــالمين، نحتكـــمُ يا ليت خصمي غير الهوى، وغريمي غير من أهوى! كنتُ أنتقمُ ثانياً: التكرار: التكرار ظاهرة أسلوبية إيقاعية في آنٍ معاً، وله أنواعه، وموجود في الشعر العربي منذ كان، وما أقصده هنا تحديداً هو تكرار الكلمة، أو تكرار الجملة، سواءً لتأكيد المعنى، أو لتعميق الإحساس بالحدث، ومن الأمثلة، يقول علي رديش: نوريّة الإحســاس، باقي مهجتي، روحي فــداكْ أنا من أسى الدنيا تعبتُ تعبتُ، أوشكتُ الهلاكْ لمداكِ ردّيني، خــذيني أينما ارتحــلت خُطــاكْ مُدّي يديــكِ إلى يــديّ وجــرّبي، سلمت يــداكْ ويقول أيضاً: مخنوقة العبرات، لا ترمي ورودكِ للأسى ما راح راحْ لا تحفلي إن جارت الدنيا بقسوتها، وأثخنت الجراحْ من ذا بها لقيَ الهنا منّا؟ ومن منّا ـ بذمّتك ـ استراحْ؟ ويقول أحمد السيد: وأنا غيـرى.. أنا غيـرى فقلْ فيّ شعــراً مثلما غنّوا وقــالوا كم تغنّيتُ وفي صــوتي أســى وتمنّيتً وفي كفّـي المحــالُ كبُرتْ يا عودُ ينساك الشجا كبُرتْ يا أرض ينساك المخالُ صــدق العشّــاقُ فيما حـدّثوا إنّما العشق عــذابٌ واحتمالُ ويقول أيضاً: كنّا إذا طلعت نصطفّ أفئدةً على التراب، مجانيناً مجانينا كدنا نصلّي على آثار خطوتها لكن تخلّت، فأكرمنا نواصينا ويقول أيضاً: الحبّ يجــري من أصــابعها وبــلادها للحبّ ظمــآنةْ تتنسّك الكلمــات في يدها وتضجّ فوق شفاهها حــــانةْ فتبيتُ نصف الليل ناسكةً وتبيتُ نصف الليل سكرانةْ ثالثاً: التقسيم: في اعتقادي أنّ من أهم السمات البنائية في تجربة الشاعرين هي تقسيم البيت أو حتى الشطر الواحد إلى جُملٍ تردّ على بعضها، أو تستدرك لإكمال معنى بعضها البعض. والشاعر أحمد السيد أكثر استخداماً ـ في قصائده ـ لهذه الطريقة من البناء، وربما يتضح جمال هذه السمة من خلال الأمثلة، يقول أحمد السيد: حلوٌ حديثكِ، لكنّا على سفرٍ وسمحةٌ أنتِ، لكنّا هنا غُربا ويقول في قصيدة «شهد الخليّ»: إنّا - لك اللّه - لم نخذل شمائلنا ويعلم اللّه لا نحيا مساكينا ولا نؤرجح في الذكرى تنهّدنا هو الفراق ومزقنا العناوينا ماذا (نحنُّ)؟ ولا كفّ تودّعنا، ماذا (نعودُ)؟ ولا صدرٌ يدفّينا نستغفر اللّه عمّا تفعلين بنا أيّ العذابات ما جرّبتها فينا؟ نعم نسافر لا نلوي على قلق، نحن الكبار وإن كنّا مطاعينا رضيتِ؟ أهلا، ولن نغدو ملائكة غضبتِ؟ أهلا، ولن نغدو شياطينا ويقول : ليت العيون السود إذ ودعنني ودعنني وتركنني في حالي يخدعنني؟ يخدعن، ليس يهمّني يلعبن بي؟ يلعبن، لستُ أبالي ويقول : خففت جدة من أغلالها لم تعد جدة تخشى من أحد كلما ماد بنا عطرٌ بكى صاحبي، يا صاح من جدّ وجد المواعيد، فهذا وقتها المفاتيح، وجرب يا ولد ويقول علي رديش: فديتكَ، أكّد لي إذا شئت موعــداً فموعـــد من شاء الوفـــاء أكــيدُ متى تحتفـي الدنيا بأفــراحنا متى؟ متى العيد؟ ما لي كالأحبة عيدُ تعال، حدود الأســـر نجتازها معاً فما كان بين العــاشقين حـــدودُ وما قيمة الشكوى؟ وما بوحيَ الهوى يفيد؟ وما النجوى وأنت بعيدُ؟ وختاماً، هل من صدى لهذه السمات في تجربة الشاعرين على الشعراء من بعدهم؟ هذا يحتاج إلى دراسةٍ مستقلّة وحدها، ربما!