كيف بدأتُ أكتب الشعر..؟!
عبده خال، في يوم من أيام عام 1990، سألني كيف بدأت أكتب الشعر..؟، شعور غريب أحسست به بمجرد أنني فكرت بالإجابة على هذا السؤال..!، ومن الطبيعي جدا مثل هذا السؤال يجبرك على أن تغمض عينيك، أغمضت عيني، نعم، أغمضت عيني، فقدت الشعور بكل ما حولي، غياب كامل، دوائر سوداء صامتة في سواد عشوائي تدور، تدور، تلتهم خطوطا متقصفة أكثر سوادا منها..، من يغمض عينيه ويفكر صادقا يعرف أنها النافذة الروحية التي تقف عليها الروح، فقط، هذا فلاش يفصل بين 1990م وبين 2026م، فتحت عيني، تلاشى كل شيء..، وكأن شيئا لم يكن..!، اختفى الباب، اختفت النافذة، اختفى الجدار، اختفت الطاولة، اختفى كوب القهوة، اختفى هاتفي، اختفى السائل، اختفيت أنا، اختفى المكان بناسه، اختفى الزمان بناسه، أنا أطير في الهواء، أدخل في سحابة وأخرج من سحابة أولى، وثانية، وثالثة، وعاشرة، أنا في رحلة معاكسة نحو نفسي..!، أنفاسي هادئة تساعدني أن أتذكر ظهيرة يوم من أيام خمسين عام مضت، أصبت أبو بريص بحذائي الصغير رميته بطريقة لولبية أصبته رغم محاولته حماية نفسه بالبقاء في قلب ركن الغرفة، أعجبتني رميتي اللولبية، لم أكن أعلم أن لدي هذه المهارة، ولكن سرعان ما وضعت رميتي اللولبية ورمية أبي اللولبية في مقارنة..!، رمية أبي لحذائه الذي أصابني في ظهري، يوما، وأنا الطفل المشاكس الهارب المعاند الذي لا يجيب على ندائه وعلى كل النداءات للدخول للبيت..، أصابني حذاء أبي برغم أني انعطفت بشكل كامل في الممر الملاصق لبيتنا، أعجبتني فكرة المقارنة، ليس سهلا التنقيب عن أوجه التشابه والاختلاف، قمت بعمل جدول في الدفتر المدرسي أرصد نقاط التشابه ونقاط الاختلاف، كنت أصف وأحلل الواقعتان بطريقة واقعية وأطعمها بعاطفتي وخيالاتي..!، رضيت بالهزيمة أمام أبي، كان لابد من هذه الهزيمة، أبي أهداني هذه الهزيمة دون أن يعلم، ولأنني المهزوم فمن الطبيعي أنني لم أُشيد لنفسي تمثالا من رخام ولا من ورق ولا من ماء..!، تمثالا يحجب عني الباب الذي أخرج منه إلى الأفق إلى الكلمة إلى المقهى إلى النافذة إلى الحلم إلى المرأة.. إلى.. إلى.. إلى عامي الستين، إلى بداية كتابة الشعر..!، كتبت الشعر، كتبت شيئا آخر..!