روايتها الجديدة بطلها مصور يغطي مناطق النزاع ..
شادن دياب : أستلهم الكتابة من وحي الحروب التي تفتك بالعالم اليوم .
بدأ الحوار من القاهرة، بعد ما أخذت أخذ رواية” العلبة”يحي الذي رأى “ للدكتورة الصديقة شادن دياب، وبعد أول قراءة أصبت بذهول، وعاودت القراءة مرةً ثانية ومعي قلمي، هي رواية قصيرة ١٢٦ صفحة، تحكي قصة ومعاناة ، صحفي ومصور يغطي مناطق النزاعات والحروب ومخيمات اللاجئين، وماذا يرى ؟ وكيف يرى ؟ وماهي المشاكل التي يتعرض لها، هي حكاية اليوم وقصص الأمس واليوم، وأسئلة اليوم ، وهي أختيار وليست أجبار إذ يقول يحيى “ هه كل مرة، بصحبة علبتي للتصوير التي تضع العالم في بؤرة. من الغريب أننى اخترت هذه المهنة، أن أصور ما يقترب من الموت، في مناطق الصراع حيث الحياة تبدو معلقة بخيط واهن اتصيده بلا خوف بكل حرية بمرآة مصقلة بالحقيقة في وجه العالم.” فتحت الفيس وكان الحوار ساخن بسخونة الرواية، الأسئلة هي من تستدعيني لطرحها، لم أخطط لها كنت أقرأ وأسأل ، وهي تجيب برحابة صدر وفرحة . شادن دياب دكتورة كيميائية وحاصلة على دكتوراه في علوم البيئة من جامعة بيار وماري كوري في فرنسا. متخصصة في التغيير المناخي ، والعدالة البيئية، ومعالجة التربة والمناطق الملوثة. أديبة وشاعرة ، تنقلت للعيش في عدة دول عربية وغربية بسبب عمل والدها ودراستها وعملها بعد ذلك .. - لو سألتك عن الولادة ، أين كانت؟ كيف تبلورت أفكار اليوم ، هل هي وليدة سنوات بعيدة أم قريبة ، هل للدراسة والترحل بين الأماكن أثر أو تأثير ؟ * هي كتابة من وحي الأزمات ، أزمة كرونا والحروب ، الصراعات التي تفتك بالعالم اليوم . - سألتك عن الطفولة، مكان الولادة هل تتهربين من الإجابة ، أم كان سهواً؟ * كنت أظن أنك تقصد ولادة الفكرة، ولدت في ليبيا في قرية عمر المختار، في منطقة أسمها البيضاء، وهي كان لها دور مهم جداً في الثورة ضد الإيطاليين، وأبي منذ البداية كان أرتباطه في اللغة العربية مهم جداً، لأنه كان أستاذ للغات الشرقية، فكان مهتم في اللغة العربية، فعلمني اللغة العربية، وأتاح إلي أن أقرأ أولى كتابين مهمين أثرا في حياتي ، وكان عمري سبع أوثمان سنوات وهما الأيام لطه حسين والعبرات للمنفلوطي، كان أمراً في غاية الصعوبة لطفلة يوُضع أمامها كتابين ويطلب منها أن تقرأ ، فنظرت إليه ماذا أقرأ؟ ، كان له أهتمام أن أتأمل وأقرأ كثيراً، فكان لدي بالبداية نهم للقراءة، وعلاقة قوية بالمكتبات والكتب واللغة العربية، رغم سفري بعد ذلك وتعلمي اللغة الإنجليزية والفرنسية، فكان أهتمامه أولى بالغة العربية وأن أتقن اللغة العربية، ذهبت بعد ذلك إلى منطقة الشرق الأوسط بسبب عمل والدي في ليبيا وسوريا ولبنان، تنقلنا في بعض المناطق العربية ولكن بعد ذلك وجودي في فرنسا لدراسة، أضر باللغة العربية وبدأت تفقد مكانها أمام اللغة الفرنسية، درست الكيمياء، وبعد ذلك علم المناخ والبيئة، و بدأت أهتماماتي بالقراءة بالفرنسية، لسيمون دو بوفوار ، ألبير كامو، المؤثرين الفرنسيين أكثر ، وقراءات كلاسيكية ، شارل بودلير وغيره، ولكن كان عندي أهتمام بالفرنسيين المعاصرين وبطرق كتاباتهم، فكان باولوكويلو لم يكن فرنسياً ولكن كل الكتاب المعاصرين كنت أقرأ لهم باللغة الفرنسية، وأقرأ من وقت إلى وقت كتب متعلقة في التفكير بالوطن العربي، من الذين أثروا فيه كتاب الأستشراق لإدورد سعيد . و كتاب” الهويات القاتلة “، لأمين معلوف ،أنهيت الدكتوراه ٢٠٠٤م، وكنت في نفس المختبر التي عملت فيه ماري كوري ، فكونك تدرس في مكان الكثير يتمنى الدراسة فيه ، درست في معهد فيزياء الأرض في باريس ، وهو أحد أبرز المؤسسات الفرنسية الرائدة في علوم الأرض وهو جزء من جامعة باريس ستي، وقد تخرج منه الكثير من العلماء الذين يعملون الآن في ناسا بأمريكا . - يهز كريم رأسه وبركبته المثنية على الكرسي الصغير للمقهى يثبت عينيه في وجه يحيى، يضيف كريم: لكنني أقول لك الآن، بعد كل هذه السنوات، إن شيئاً لم يتغير. الصور تزداد عنفاً، والمشاهد على الشاشات صارت أكثر إثارة للذعر. العنف اليوم أكثر أمناً لنفسه، وأكثر استقرار في وجوده وأكثر قدرة على البقاء. بل صار أكثر تدميراً وأكثر وقاحة، والحقيقة لم تعد تهزّ أحداً.” إذا ماهو الخيار الآخر أمام الصحف، أمام المصور اليوم ، أمام الإعلام ، واي طريق يسلك إذا أصبحت الصورة اليوم لا تؤثر وأصبح القمع يزداد ؟ * أظن المشكلة هي نحن المتلقي، إذا لم تعد الصورة تهز أحداً، لأننا نحن السبب، لم تعد تهزنا لأننا أعتدنا المشهد، فيجب إن لا نعتاد هذا المشهد ، المشكلة أننا أعتدنا الأشياء ، ولم نعد نستطيع الرؤية ، الرؤيا حٌجبت عنا، لأننا لم نعد نستطيع الرؤيا بقلوبنا ، هي مشكلة الذين يرون، ولكن هو رأى ، هي مشكلتنا نحن . - هل الرواية كانت بهذا الحجم عندما كتبت ؟ لأن الواضح أنها كتبتِ بحرفية عالية وكل كلمة وضعت في مكانها وكل حالة صورة بشكل دقيق ؟ * الرواية بدأت أقصر من ذلك. أبدأ الكتابة بشكل الفكرة ومن ثمة تنمو ،كأنك تضع العامود الفقري ومن ثمة تشكل تفاصيل الجسد،ولكن هي فعلاً كانت بهذا الحجم ، الكثيرون يقولون لي يجب أن تكون رواياتك أطول ، لماذا هي قصيرة هكذا ، أنا بالنسبة إلي قلت ما أود قوله ، لا أريد أن أكسيها ثرثرة ، أضع للقارئ بعض الأشياء ليفكر فيها ، حتى لا أعطيه كل شيء، وأرغب أن أوصل الفكرة ، الموضوع ليس فقط الأختزال ، هي القدرة ، بعض الروايات تكون قاسية، طولها يمكن يتعب ويرهق القارئ . - “ حدق يحيى بأيمن وأضاف : يُقال عن الموت أحياناً... إنه يعتلي غيمة سواء . لا يأتي بخفة، بل يناقش، يتردد... ثم يسحب روحك بهدوء. كأن بيننا وبينه قبراً يُحفَر بصمت منذ الأزل .” هذه العبارات الجميلة والعميقة والفلسفية والمؤثرة على القارئ، وأتصور هي من تبقى في ذهن القارئ ، وربما يتناقلها مثل الرسائل ، هل هي تكتب دفعةً واحدة ، أم يتم التفكير فيها وتأخذ وقتها ؟ * سؤال مهم جداً ، هناك بعض العبارات التي أعتبرها مفاتيح مهمة جداً كهذه العبارة، بالنسبة لي الموت وعلاقة الإنسان بالموت ، هي من العبارات المفتاح ، من العبارات التي أفتكرها من الرواية ، وعبارة أخرى تكلمنا عنها “ ماهي إلا لحظات ننسى فيها إنسانيتنا” يجب أن أوضح شيء فأنا قبل أن أكون روائية شاعرة ، ولي ديوان “ عازف الروح” الذي صدر 2021م وديوان أخر بعنوان “ وجوه غير مرئية “، فأنا أكتب الشعر بشكل متواصل ، الشعر يأتي كدفقة، أعتبر تلك العبارات تأتي كدفقة الشعر مهمة ، هي تأتي هكذا ومن ثمة أكتبها ، ليست كاحوار فهي دفقات شعرية مهمة ، تدخل في السرد ولكنها أيضاً مفتاح لنص ، مفتاح للفهم . - الأسئلة التي تخص الإنسان، تخص الوجود، دائماً تتركينها مفتوحة، وكأنك ترغبين في إجابة مشتركة بينك وبين القارئ، وهذا يقرب الرواية أكثر من القارئ ، لأنه يشعر أنهُ جزء منها، أن هناك حوار مفتوح بينه وبينها.؟ * كنت أخاف أن أمثل دور الواعظ، دوري ليس واعظاً، حصل أني في بداية الكتابة كتبت أشياء وأخذت موقف ، فقلت لا هذا غلط ،أنا هنا ليس لأجل أن أقرر عن أي إنسان، موضوع الأختيار لا بد أن يختار القارئ طريقه ، وتكون الأسئلة أحياناً مفتوحة، ، أنت لا تقدر أن تقرر عن القارئ، وهنا تأتي الصعوبة بالكتابة.