الجـوع.. صُـنِـعَ فـي غـزة..

حـين يتحـول الغـذاء إلـى أداة حـرب.

في غزة لا يأتي الجوع بوصفه عارضًا طبيعيًا في سياق حربٍ عابرة، بل يتشكّل كسياسةٍ مُحكمة، تُدار أدواتها بإغلاق المعابر، وتعطيل سلاسل الدعم والإمداد والإغاثة، واستهداف البنية التحتية التي تحفظ للناس حدًّا أدنى من الحياة. هنا لا يُقاس النقص بغياب صنفٍ غذائي، بل بانهيار منظومة كاملة: الماء، والخبز، والدواء، والكهرباء. وحين تتواتر التقارير فإنها لا ترصد أرقامًا فحسب، بل توثّق انتقال الأزمة من ضيقٍ معيشي إلى مجاعةٍ مُمنهجة، يتقدّم فيها الجوع بوصفه أداة ضغط، لا نتيجة جانبية. حصار ممتدّ الأثر بحسب التقارير الدولية حول الأمن الغذائي، فإن أكثر من 2.2 مليون نسمة في قطاع غزة يعانون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما يواجه نحو 469 ألف شخص مرحلة كارثية (المرحلة الخامسة)، وهي أعلى درجات التصنيف التي تسبق إعلان المجاعة رسميًا. هذه الأرقام لا تمثل تقديرات نظرية؛ إذ حذّرت الأمم المتحدة من أن نحو 1.1 مليون شخص باتوا يعيشون مستويات جوع حادة تهدد الحياة، فيما يحتاج أكثر من 70 ألف طفل إلى علاج فوري من سوء التغذية الحاد، إضافة إلى آلاف النساء الحوامل والمرضعات. ومع الإغلاق الإسرائيلي المتكرر للمعابر، وتشديد القيود على إدخال الغذاء والوقود، انخفض عدد الشاحنات اليومية إلى مستويات تقل كثيرًا عن الحد الأدنى المطلوب لتغطية الاحتياجات الأساسية. وتُظهر المعطيات الميدانية أن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المنافذ البرية، وفي مقدمتها معبر كرم أبو سالم، جعلت تدفق الغذاء خاضعًا لقرارات أمنية إسرائيلية متغيرة، تُفتح حينًا وتُغلق حينًا آخر، بما يحوّل الإمدادات الإنسانية إلى ملف تفاوضي لا مسارًا إغاثيًا ثابتًا. وقد أدى تعليق دخول الوقود في فترات متعددة إلى توقف عشرات المخابز ومحطات تحلية المياه، ما ضاعف أثر نقص الغذاء، وربط بقاء أهل القطاع بقرارات الإغلاق والفتح. ولم يعد الحصار مجرد إجراء عسكري معلن، بل آلية ضغط ممتدة الأثر، تتجاوز حدود المواجهة المسلحة لتطال البنية المدنية وحق الفلسطينيين في الحد الأدنى من الحياة. سلاح الغذاء اليوم إن مفهوم المجاعة ــ وفق المعايير الدولية ــ يتحقق عندما يعاني ما لا يقل عن 20% من السكان نقصًا حادًا في الغذاء، وتتجاوز معدلات سوء التغذية الحاد 30%، مع تسجيل وفيات بسبب الجوع. وقد أكدت تقارير أممية أن قطاع غزة قد وصل هذه العتبة الخطرة، بل لامس بعض أسوأ مؤشراتها فعليًا، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على دخول الغذاء والوقود. هذه القيود، التي تشمل التحكم الكامل في المعابر البرية وتحديد أعداد الشاحنات المسموح لها بالدخول، جعلت خطر المجاعة نتيجة مباشرة لسياسات الإغلاق، لا مجرد أثر جانبي للحرب. لم يعد الغذاء مجرد سلعة نادرة، بل تحوّل إلى أداة حرب. فإسرائيل، بوصفها جهة الاحتلال المسيطرة على المنافذ الأساسية للقطاع، تملك سلطة فتحها أو إغلاقها وتحديد طبيعة المواد المسموح بإدخالها، وهو ما انعكس على تدفق الطحين والوقود والمكملات الغذائية. ومع تدمير مساحات زراعية واسعة داخل القطاع وتعطّل الصيد ومنع الوصول إلى مناطق الإنتاج، انهار الإنتاج المحلي تقريبًا، وأصبح أكثر من 75% من السكان يعتمدون كليًا على مساعدات تتحكم إسرائيل في وتيرتها. وهكذا صار رغيف الخبز مرتبطًا بقرار سياسي، لا بقدرة المجتمع على العمل أو الإنتاج، وتحوّل الغذاء من حقٍ إنساني إلى أداة تفاوض وضغط ذات أثر مباشر على حياة المدنيين. أرقام الموت الصامت تُظهر التقديرات الأممية الحديثة أن سكان قطاع غزة يعيشون في مستويات طوارئ غذائية شديدة، وتشير بيانات منظمات الصحة الدولية إلى أن عشرات الآلاف من الأطفال دون الخامسة مهددون بسوء التغذية الحاد، وأن أكثر من 37 ألف امرأة حامل أو مرضع يواجهن نقصًا غذائيًا يهدد صحتهن وصحة المواليد. هذه الأرقام لا تتعلق بمستقبل محتمل، بل بواقع قائم تُسجَّل فيه حالات هزال وفقدان وزن حاد يوميًا، في بيئة صحية منهكة تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات العلاجية. وقد تزامن ذلك مع انهيار شبه كامل لسوق الغذاء المحلي؛ إذ تشير تقارير ميدانية إلى أن الأسعار ارتفعت بنسب مضاعفة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما خرجت غالبية المخابز عن الخدمة نتيجة نقص الوقود ومنع إدخاله بكميات كافية. وبفعل القيود الإسرائيلية المستمرة على المعابر، أصبح تدفق الشاحنات الغذائية غير منتظم ويخضع لاعتبارات أمنية متغيرة، ما جعل الإمداد الغذائي عرضة للتوقف المفاجئ. ولا ينفصل هذا الواقع عن التدمير الإسرائيلي الواسع للبنية التحتية؛ فقد أدى استهداف محطات الكهرباء وتعطيل دخول الوقود إلى توقف مرافق تحلية المياه وأنظمة التبريد والتخزين، الأمر الذي زاد من فاقد الغذاء وقلّص القدرة على حفظه وتوزيعه. كما خرجت مساحات زراعية كبيرة من دائرة الإنتاج، وتوقف الصيد بفعل القيود المفروضة على الساحل، فتراجعت القدرة الذاتية للقطاع إلى أدنى مستوياتها. إن المجاعة هنا ليست نقصًا عابرًا في السلع، بل نتيجة مباشرة لسياسات حصار وتقييد إسرائيلي منهجي، جعلت القطاع بأكمله رهينة تدفقات محدودة لا تفي بمتطلبات البقاء. دعم سعودي لا يتوقف في خضم هذا الانهيار الإنساني، برز دور مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بوصفه أحد أهم المسارات الإغاثية الداعمة لأهل غزة. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن المركز، فقد تجاوز حجم المساعدات الإنسانية المرسلة إلى القطاع منذ التصعيد الأخير 7699 طنًا من المساعدات الإغاثية، نُقلت عبر 77 طائرة إغاثية و8 سفن بحرية، إضافة إلى أكثر من 912 شاحنة مساعدات وصلت إلى نقاط التوزيع داخل القطاع، والرقم في تصاعد مستمر، وتمثل هذه الأرقام مؤشرًا على اتساع حجم الاستجابة الإنسانية السعودية، خصوصًا في ظل القيود اللوجستية التي تحد من تدفق المساعدات عبر المعابر. كما شملت المساعدات دعمًا مباشرًا للقطاع الصحي، حيث تم تسليم 20 سيارة إسعاف لهيئات طبية فلسطينية تعمل في ظروف تشغيلية بالغة الصعوبة، إلى جانب تمويل مشاريع إنسانية بالشراكة مع منظمات دولية بقيمة تتجاوز 90 مليون دولار، خُصص جزء كبير منها لتوفير الغذاء العاجل، والمستلزمات الطبية، ومواد الإيواء للنازحين. وتأتي هذه الجهود ضمن سياسة إغاثية سعودية ثابتة تقوم على دعم الاستقرار الإنساني وتخفيف آثار الصراع على المدنيين، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والمرضى وكبار السن. وإلى جانب الدعم الميداني، أظهرت البيانات المتعلقة بالمساعدات السعودية أن إجمالي الدعم الموجه للفلسطينيين في غزة منذ بدء فترة التصعيد الاخيرة تجاوز 725 مليون ريال سعودي، فيما تجاوز إجمالي المساعدات الموجهة لفلسطين تاريخيًا 5.3 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الحضور السعودي في المشهد الإغاثي. ولا يقتصر هذا الحضور على التمويل المباشر، بل يمتد إلى التنسيق مع المنظمات الأممية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، في وقت تظل فيه الأزمة الإنسانية مرتبطة بتعقيدات الحصار وقيود الحركة المفروضة على دخول الإمدادات الإنسانية. هذه الجهود الإغاثية تأتي متزامنة مع تحركات دبلوماسية سعودية تدعو إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وفتح المعابر أمام تدفق المساعدات دون عوائق، وتأكيد ضرورة حماية المدنيين، بما يعزز فكرة أن العمل الإنساني لا يمكن فصله عن السعي السياسي. دعم متدفق.. وحصار يعترضه رغم استمرار تدفق الدعم السعودي بوتيرة تصاعدية، فإن أثره الإنساني يصطدم بسقف زمني وإجرائي تفرضه السلطات الإسرائيلية بوصفها الجهة المسيطرة على المعابر. فالفجوة بين ما يُشحن وما يُوزع فعليًا داخل القطاع تكشف أن المشكلة لم تعد في توفر المساعدات، بل في التحكم بمسارها وإيقاع دخولها. التأخير في السماح بإدخال الوقود والمواد الغذائية لا يعني فقط تأجيل التوزيع، بل يفضي إلى تعطّل سلاسل التبريد، وتلف بعض الإمدادات، وإرباك خطط الاستجابة الطارئة. وبذلك يتحول العائق الإداري والأمني إلى عامل مضاعف للأزمة، يحدّ من فعالية الجهد الإغاثي مهما بلغ حجمه. حين يُقال إن الجوع صُنع في غزة، فالمقصود أن أسبابه لم تكن طبيعية، ولا نتائجه مفاجئة. الأرقام واضحة، والتحذيرات معلنة، والوقائع موثقة. غير أن التاريخ يعلمنا أن المجاعات لا تنكسر بالأرقام وحدها، بل بإرادة سياسية تُعيد للإنسان حقه الأول: أن يعيش. وبين اتساع المأساة وحضور الدعم الإنساني، يبقى السؤال معلقًا على قدرة العالم على أن يجعل الغذاء حقًا لا أداة.