إبن جبير وابن بطوطة يوثقان فرحة العيد في مكة ..
عيد الفطر .. فرحة تاريخية من الحرم المكي إلى شاطئ نصف القمر .
اهتم الكثير من الرحالة برصد وتدوين مظاهر استقبال عيد الفطر في مكة المكرمة قديماً، ومن أشهر هؤلاء الرحالة ابن بطوطة، وابن جبير اللذين وثّقت لنا المصادر التاريخية ما تضمنته مدوناتهم عن عيد الفطر وكيف كان يستقبله أهل مكة وزوّارها. ومن الرحالة الذين دونوا لنا مشاهداتهم لمظاهر عيد الفطر في مكة المكرمة قديما، الرحالة محمد بن أحمد بن جُبير الكناني البلنسي الأندلسي، المعروف بابن جبير (٥٤٠ مـ - ٦١٤ هـ - ١١٤٥ - ١٢١٧ مـ) حيث يذكر لنا ابن جبير أن الناس بكّروا بالحضور إلى المسجد الحرام لآداء صلاة العيد، وقد لبسوا أثواب عيدهم، وبعد فراغ الخطبة أقبل بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم من فضله، وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدحمين عليه فوجاً فوجاً فكان مشهداً عظيماً وجمعاً بفضل الله تعالى مرحوماً. كما دوّن الرحالة أبو عبدالله محمد بن إبراهيم اللواتي، المعروف بابن بطوطة ((1304 – 1368مـ / 703 – 779هـ)، في يوميات رحلته لبلاد الحجاز، جوانب من مظاهر الاحتفال بالعيد في مكة المكرمة، حيث قال إن الناس يوقدون المشاعل ليلة استهلاله ويُسرِجوا المصابيح والشمع على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وتوقد السّرُج في الصوامع من جميع جهاتها، ويوقد سطح الحرم كلّه، وسطح المسجد بأعلى أبي قُبيس- جبل بمكة - ويُقيم المؤذّنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير وتسبيح، والناس مابين طواف وصلاة وذِكرٍ ودُعاء، فإذا صلّوا صلاة الصبح أخذوا في أهبة العيد، ولبسوا أحسن ثيابهم وبادروا لأخذ مجالسهم بالحرم الشريف به يصلّون صلاة العيد لأنّه لا موضع أفضل منه. ويكون أوّل مَنْ يُبَكِّر إلى المسجد الشّيبيون، فيفتحون باب الكعبة المُقدّسة ويقعد كبيرهم على عتبتها، وسائرهم بين يديه إلى أن يأتي أمير مكة فيتلقونه ويطوف عليهم بالبيت أسبوعاً، والمؤذن الزمزمي فوق سطح قبّة زمزم على العادة رافعاً صوته بالثناء والدعاء له ولأخيه كما ذكر، ثم يأتي الخطيب بين الرايتين السوداوين والفرقة أمامه، وهو لابسٌ السواد، فيصلّي خَلف المقام الكريم، ثمّ يصعد المنبر ويخطب خطبة بليغة، ثمّ إذا فرغ منها أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام والمصافحة والاستغفار، ويقصدون الكعبة الشريفة فيدخلونها ثمّ يخرجون إلى مقبرة باب المعلّى تبرّكاً بمن فيها من الصحابة وصدور السلف، ثم ينصرفون. وأما مظاهر العيد في المملكة اليوم، فتبدأ باستعداد الناس لاستقبال عيد الفطر في المدن السعودية بعد أن يودعوا الشهر الفضيل، حيث تبدأ مظاهر الزينة واضحة المعالم في الأماكن العامة، وفي البيوت إذ تقوم النساء بتنظيف البيوت وتجميلها لاستقبال ضيوف العيد. وتهيئة بعض الحلويات مثل المشبك، والحلقوم والعصير الذي يقدّم للضيوف. ويتناول الناس التمر و يشربون القهوة قبل التوجه لأداء صلاة العيد في الحرمين المكيّ والمدني، ويرتدون الثياب البيض والشماغ الأحمر، ويهنئ الواحد الآخر خلال الفترة الصباحية من أول أيام العيد، بعدها يتوجهون إلى البيت الكبير- بيت الجد والجدة –ليعايدونهم ويبقى البعض ليبدأوا فطورهم، ويحصل الأطفال خلال الزيارة على العيدية من الجميع وهم يلبسون ملابسهم الجديدة. أما الآخرون فيعودون إلى منزلهم لتناول اللحم المشوي، ويجلس الرجال في مجلس منفصل عن النساء، الذي يضم عادة العائلة والأخوة والأخوات وعوائلهم كافة، ويتألف طعام الغذاء من المثطح ويوضع فوق العيش في صحن كبير، يبدأ بتناول الغذاء كبار السّن أولاً، وعندما ينتهون يأتي الأصغر سنّاً، ثم الأصغر. ثم يخرج الناس بعد فترة العصر إلى الأماكن المفتوحة حيث أماكن اللهو البريء، ونلحظ في المنطقة الشرقية قيام الجهات المسؤولة بإطلاق الأسهم والألعاب النارية على الكورنيش في الدمام ابتهاجاً بالعيد المبارك. وتشهد المنطقة إقبال الناس من الرياض وغيرها من المدن الأخرى قبل ليلة العيد لقضاء أيامه فيها ويقومون بنصب خيامهم على امتداد شاطئ نصف القمر. ------ كيف احتفى العرب برؤية هلال شوال ؟ بشارة العيد في عيون الشعراء . للعيد رونقه وبهجته في كل البلاد على مر العصور والأزمنة، وقد حظيت ليلة رؤية هلال شهر شوّال بعناية عظيمة من الحُكّام والعامة والشعراء وكل الطبقات على مدار قرون مضت وحتى اليوم، وقد سجّلت لنا كتب التراث العربي والإسلامي الكثير من مظاهر العناية برؤية هلال ذلك الشهر الذي تحمل رؤيته بشرى الإحتفال بعيد الفطر. وتصف بعض المصادر التراثية هلال شهور شوّال بأنه من أحب الأهلّة إلى الناس كافة، وهو هلال جذب اهتمام الشعراء الذين كتبوا فيه القصائد التي تغنت بها الناس على مر الزمان. وتوثّق لنا كتب التراث كيف أن الناس كانوا يضربون المثل بهلال شهر شوّال بالشيء البهيج الذي يُسر به الناس ويحتفلون بثبوت رؤيته والنظر إليه، وكيف تسابق الشعراء في كتابه القصائد التي تتناول تلك المناسبة. وفي هذا السياق يورد لنا الباحث المصري الدكتور أحمد الصاوي، في كتابه «رمضان زمان: من الهلال والفانوس ومسحراتي الرسول إلى القطائف والطرائف وإدارة الكعك المعمول» والصادر عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، يورد لنا الكثير من قصائد الشعراء القُدامى وهم يتغنون بهلال شهر شوّال، كقول الخليفة والشاعر والأديب عبدالله ابن المعتز: مرّ بنا والعيون ترمقه في قَدِّ غصن وحُسن تمثال فخلته والعيون تنظره من كلِّ فجٍ هلال شوّال ويقول محمد البطليوسي: كأن هلال الفطر لاح بوجهه فأعيننا شوقاً إليه تميل ويقول أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي: ولاح لنا الهلال كشطر طوق على لبات زرقاء اللباس وله أيضا: وكأن الهلال نون لجين غرقت في صحيفة زرقاء ومن أشعاره أيضا: قد جاء شهر السرور شوّال وغال شهر الصيام مغتال أما رأيت الهلال يرمقه قوم لهم – إن رأوه – أهلال كأنه قد فضة جرح فض عن الصائمين فاختالوا ويروى أن الملك العادل أبي بكر بن أيوب - أحد ملوك الدولة الأيوبية – صعد إلى مئذنة جامع دمشق لرؤية هلال شوال ومعه القاضي والعدول، فغابت الشمس ولم ير الهلال أحد ثم رأته محظية لديه، فقال الملك لجبريل بن سكر المصري الشاعر المعروف بابن القصار، قُل شيئا في ذلك فقال ابن القصار: توارى هلال الأفق عن أعين الورى وغطى يستر الغيم زهوا محياه فلما أتاه لاجتلاء خليله تبدى له دون الأنام وحياه ومما قيل في هلال شهر شوّال من الشعر القديم أيضاً: ولاح هلال الفطر نضواً كأنه سنا لواه الطعن في راس عامل وتنقل لنا كتب التراث أن عدداً من الشعراء القُدامى اجتمعوا بمصر، فانشدهم كمال الدين علي بن محمد بن الحسن الملقب بـ «ابن النبيه المصري»، قول مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الدؤلي الكناني المعروف بالطغرائي في هلال عيد الفطر: قوموا إلى لذاتكم يا نيام واترعوا الكأس بصفو المدام هذا هلال العيد قد جاءنا بمنجل يحصد شهر الصيام فتبارى اثنين من الشعراء هما: كمال الدين علي بن محمد بن الحسن الملقب بـ «ابن النبيه المصري»، والشاعر الأندلسي علي بن ظافر، حيث قال ابن النبيه: انظر إلى هلال بدا يذهب من أنواره الحندسا كمنجل قد صيغ من فضة يحصد من زهر الدجا نرجسا ثم أكمل على بن ظافر: أما ترى الهلال يخفى أنجم الأفق بنور وجهه الوسيم كمنجل من فضة يحصد من روض الظلام نرجس النجوم وقد تعددت قصائد الشعراء القدُامى الذين تغنّوا كثير بعيد الفطر السعيد وهلاله الذي كان بشارة بهجة وسرور، وكما تبارى الشعراء القُدامى في نظم القصائد حول هلال شهر شوّال، فقد كانت التهنئة بقدوم عيد الفطر موضوعاً آخر يتبارون فيه، وفي ذلك يقول أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الطائي المعروف بـ «البحتري» مُهنئاً المتوكل العباسي بصومه رمضان وبحلول عيد الفطر: بالبر صمت وأنت خير صائم وبسنة الله الرضية تفطر فانعم بعيد الفطر عيداً إنه يوم أغر من الزمان مشهر وهكذا كانت ليلة رؤية هلال شهر شوّال موضوعاً يتبارى فيه الشعراء، ومناسبة للفرح ولإقامة الإحتفالات والمواكب العظيمة على مر الزمان. ----- مظاهر العيد في كتب الرحالة وقد احتلت احتفالات المسلمين بعيد الفطر مساحة كبيرة في كتابات الرحّالة والمستشرقين، وورد ذكرها في الكثير من المصادر العربية، التي وثّقت لنا مظاهرها التراثية وصور الإحتفال بها على مدار قون مضت. وتدلنا المصادر التاريخية، على الاهتمام الكبير الذي أولاه الرحّالة والمستشرقين والرسّامين من عرب وأجانب لمظاهر الإحتفال بعيد الفطر في كل ما زاروه من بلدان العالم الإسلامي، حيث دوّنوا في يومياتهم، ورسموه في لوحات بقي بعضها حتى اليوم. وتحضر مظاهر الإحتفال بالعيد في كتابات الرحّالة المغربي ذائع الصيت محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم اللواتي، المعروف بابن بطوطة، الذي اكتسب الكثير من شهرته بفضل كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، وكثرة أسفاره الذي جعلته يحوز لقب «أمير الرحَّالةِ المُسلمِين». وقد جال ابن بطوطة في العالم من شرقه لغربه، ومن شماله لجنوبه، ليدوّن الكثير مما رأه من عادات وتقاليد ومشاهدات، بينها مظاهر احتفال الكثير من الشعوب بعيد الفطر المبارك. في بلاد الروم وضمن سلسلة رحالته حول العالم، زار الرحّالة المغربي ابن بطوطة بلاد الروم، وهي المناطق التي نجحت قبائل التُرك في الإستيلاء عليها من أيدى الروم البيزنطيين في آسيا الصغرى. وقد جال ابن بطوطة بتلك البلاد، وزار هناك مدينة «لاذيق» سنة 732 هجرية، وكتب وصفاً ديقياً لمظاهر الإحتفال بعيد الفطر المبارك في بلاد الروم الأتراك، حيث قال: «في صبيحة يوم العيد خرج الناس إلى المصلى يتقدمهم السلطان بعساكره»، في موكب ضم أهل الحرف والصناعات، وهي ذات المواكب التي حرصت الدولة العثمانية على تسييرها في الأعياد ليس في مدينة اسطنبول، وفي كل دولة عربية خضعت لحكمهم. ونوّه ابن بطوطة إلى أن أهل كل صناعة يشتركون في الموكب وبعضهم يُفاخر بعضاً ويباهيه في حسن الهيئة، ولفت إلى أن أهل كل صناعة يخرجون مع البقر والغنم وأحمال الخبز، فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدقون بها وبالخبز ويكون خروجهم أولاً إلى المقابر ومنها إلى المصلى. وأضاف الرحّالة المغربي، بانه ما أن فرغ الناس من صلاة العيد، أخذوه ومن كان في صحبته من الأغراب، إلى بيت السلطان، حيث تناولوا الطعام على ذات السماط الممدود للفقهاء والمشايخ، بينما أفرد سماط خاص للفقراء والمساكين. وقد امتدح ابن بطوطة حرص سلطان تلك المدينة وأهلها على ضيافة الغرباء، وأشاد بالسطان الذي «لا يرد على بابه في ذلك اليوم – يوم عيد الفطر – غني أوفقير. في بلاد خوارزم ودخل ابن بطوطة بلاد الدولة الخوارزمية وهي في عنفوان قوتها بآسيا الوسطى وحاكمها آنذاك هو السلطان المعظم محمد أوزبك خان، ، وقضى في الرحّالة المغربي في مدنها أغلب أيام رمضان، وحضر بها عيد الفطر، ودوّن لنا ما شاهده من مظاهر الإحتفال بالعيد فيها سنة 733 هجرية. ووصف لنا ابن بطوطة موكب توجه السلطان لصلاة العيد، حيث «ركب السلطان في عساكره وركبت كل خاتون عربتها ومعها عساكرها وركب أيضاً الفقهاء والمشايخ والقاضى، وابن السلطان وولي عهده، ومعهم الطبول والأعلام ليلصلي بهم القاضي شهاب الدين. وأضاف الرحّالة المغربي، أنه بعد انقضاء خطبة العيد «السلطان وانتهى إلى برج خشب يسمى «الكشك»، تتابعت بعده أكشاك ولى العهد وبقية الأبناء والأمراء، وجلس الجميع للإحتفال بالعيد وإهداء الخلع للأمراء. ثم يعقب ذلك نزول السلطان وحريمه وحواشيه إلى «باركة» وهى بيت كبير له أربعة أعمدة من الخشب ومكسوة بصفائح الفضة المموهة بالذهب ويوضع على يمينها ويسارها سقائف من القطن والكتان، ويفرش ذلك كله بفرش الحرير ثم يأتى الطعام على موائد الذهب والفضة وكل مائدة يحملها أربعة رجال على الأقل، وأغلب الطعام من لحوم الغنم والخيل ويتولى «الباروجي» أي مقطع اللحوم خدمة موائد الامراء ولهم في ذلك صنعة في قطع اللحم مختلطاً بالعظم إذ أنهم لا يأكلون منه إلا ما اختلط بالعظم. الهند والسند وزار ابن طوطة بلاد الهند، ليقابل سلطانها ملك الهند والسند أبا مجاهد محمد شاه بن السلطان غیاث الدین تغلق شاه. ووثّق الرحّالة المغربي مظاهر استقبال ليلة العيد، وما تشهده من طقوس سلطانية، حيث يُرسل السلطان بالخلع والملابس الجديدة في ليلة العيد، لأرباب الدولة والأعزة والكتاب والحجاب والنقباء وأهل الأخبار وغيرهم، حتى يتسنى لهم حضور احتفالات العيد صباحًا وهم في أزهى حلة، ويخرجون ساحة العيد، ويركب السلطان واحدًا من بين ستة عشر فيلا أعدت له وفوق كل منها راية من الحرير المرصع بالجواهر. وينطلق موكب العيد الرسمي وعلى راسه السلطان، وبصحبته كبار رجال الدولة والقضاة وكبار الأعزة من الخراسانيين والعراقيين والشاميين والمصريين والمغاربة، كل واحد منهم على ظهر فيل وجميع الغرباء عندهم يسمون الخراسانيين ، ويركب المؤذنون أيضًا على الفيلة وهم يُكبرون. وبعد الصلاة وسماع خطبة العيد تقام الاحتفالات بقصر السلطان، وسط روائح البخور، ويكون في أيدى الفتيان براميل الذهب والفضة مملوئة بماء الورد وماء الزهر يصبونه على الناس صباً. وبحسب ابن بطوطة، فإن تلك الإحتفالات كانت تستغرق أسبوعاً كاملاً، حيث يتم في اليوم الثاني تناول الطعام والغناء والرقص، وفي اليوم الثالث يُزوّج السلطان أقاربه وينعم عليهم، وفي اليوم الرابع يُزوّج العبيد، ويعتق الجواري في اليوم الخامس، ثم يأتى فى اليوم السادس يُزوّج العبيد بالجوارى، وفي اليوم السابع يكون ختام الاحتفالات باعطاء الصدقات لكل فقير يقصد القصر. وهكذا تعددت رحلات ابن بطوطة، التي سجّل لنا فيها مشاهداته لمظاهر الإحتفال بعيد الفطر قديما في الكثير من القارات والبلدان، مروراً بدمشق، ومالي، وجزر المالديف، وغيرها.