هذا كتاب لطيف ومهم، عن تاريخ التعليم في إحدى المدن غير الرئيسة في المملكة، ولعلها كانت قرية يوم بدأ التعليم الحديث. بدأ الأمر يوم كُلف المؤلف الأستاذ محمود عزازي علي الدشاش، بجمع المعلومات عن تاريخ التعليم في منطقة أملج، لتصبح جزءا من كتاب عن تاريخ التعليم في السعودية. وقد تم اختياره باعتباره أحد رجال التعليم ووجوه المجتمع في أملج، لم تكن المهمة سهلة، إذ يستلزم البحث عن وثائق لم تكن هناك برامج لحفظها وفهرستها وتصنيفها، ولم يكن متاحا لها مكان مناسب تُجمع فيه، وربما لم يظن أحد أنه سيتم العودة إليها في يوم ما، تصدى المؤلف لهذه المهمة، ينقب عن الوثائق الموزعة في عدة أماكن بشكل يوحى بالإهمال، وعلى الأغلب فإن تخزينها لم يكن إلا من باب عدم الجرأة على التخلص منها، وعدم وجود إجابة على سؤال: ماذا ستفعل بهذه الأوراق؟ ولذا فإن بعض الوثائق كانت تفتح أبواب التساؤلات عن معلومات ضرورية، وهنا قام المؤلف بمراجعة دوائر أخرى مثل دائرة الأحوال المدنية والبحث في وثائقها عن المعلومات التي تكمل الصورة، ثم قام بالتواصل مع الأحياء ممن عاصر التجربة وأحيانا بأقاربهم للتأكد من بعض المعلومات والحصول على معلومات جديدة، مع الوقت أصبح هذا مشروع المؤلف الشخصي الذي أخذ منه سنوات من العمل الدؤوب. ولعل أحدا يتساءل: ما الفائدة التى تعود على القارئ من مثل هذا الجهد؟ والإجابة سهلة فإن التاريخ يحول الأوابد إلى كائنات حية ناطقة عن البشر الذين مروا بالمنطقة وتفاعلهم مع الحياة والناس من أجل النهوض بمستوى حياة البشر، عادة ما تستأثر العواصم باهتمام الناس، فتُنسى المدن الصغيرة، ولذا فإننا نرى هنا مسيرة تتقاطع مع تاريخ التعليم أحيانا وتختلف عنها في أحيان أخرى، هنا نرى كيف يتلمس الناس حاجات مجتمعهم فيطالبون بها، ثم يجتمعون على إنجازها بمجرد أن تحصل الموافقة الأولية، وعندما تصل الإجراءات الحكومية إلى طور التنفيذ العملي يكون الأهالي قد أنجزوا جزءا كبيرا من عملية التأسيس. تتوسط أملج المسافة بين مينائي ينبع والوجه على البحر الأحمر، وتقع على أرض منطقة كانت تُعرف ب الحوراء، وهي ميناء درس، وكانت تقع على درب الحاج المصري، وقد ذُكرت أملج في كتابات لورنس العرب عن الثورة العربية، وكانت تُكتب أم لج أو أم اللج، وهو اسم أطلقه عليها الحجاج المغاربة نظرا لما يحدث من صوت ارتطام الأمواج على صخورها البحرية. ويتبعها ما يزيد على مئة جزيرة، وهذا يجعلها منطقة واعدة للاستثمار السياحي. وقد شهد ميناء أملج فترة من الازدهار عندما وقعت حرب ١٩٦٧ حيث أُغلقت قناة السويس، وملأت السفن الكبيرة الساحل الشرقي والشمالي للميناء. أحد معالم أملج مبنى الإمارة القديم (المحافظة) بُنى عام ١٣٠٤ ه أيام الحكم التركي وقد دمرته بالكامل البارجة الإيطالية فوكس خلال الحرب العالمية الأولى، وتم ترميمه في العصر الشريفي، ثم في العهد السعودي، وأصبح مقرا للأنشطة السياحية والثقافية. قبل عصر التعليم الحديث كانت هناك كتاتيب، يدرس بها الأطفال، بعضها كان في المساجد، وبعضها في بيوت المدرسين، بعضهم كان يأخذ مقابلا من التلاميذ باستثناء الفقراء والأيتام وهناك من لم يكن يتقاضى شيئا، وقد ذكر المؤلف أن الشيخ محمد صالح أبو ربيعان كان يخصص في بيته كتابا لتعليم الفتيات، وهذا يوضح نوعا من التفكير المتقدم مقارنة بما يتصور البعض عن ذلك العصر، أما عن شغف الناس بالعلم فنراه في والد المؤلف، إذ ذهب طفلا ليتعلم في كًتابٍ في مدينة جدة، ولكن المعلم بالغ في عقوبته يوما، فهرب ولم يعد، ولكنه علم نفسه بمطابقة ما تعلمه من حروف على المصحف للاستدلال على الحرف بما حفظه، وهكذا حفظ أجزاء من القرآن الكريم وألفية ابن مالك، وكتاب الزبد على مذهب الشافعية، وأصبح يكتب المعاريض لمن يحتاجها، وكان يستقبل في مكانه أصدقاء يقرأ عليهم من قصص القرآن، وقصص عنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي. وأصبح عضوا في المحكمة الشرعية بناء على ثقة قضاة المحكمة برأيه وعلمه. عندما أصبح للتعليم إداراة في العهد السعودي، وبسبب الحاجة الماسة للمعلم كان أي متعلم يعتبر قادرا على القيام بمهنة التعليم، ويسمي معلم الضرورة، مثل الفراش الذي يجيد القراءة والكتابة، وكذلك بعض التلاميذ الذين أنهوا المرحلة الأولية للتعليم يُستعان بهم في إعطاء بعض الحصص للتلاميذ، وكان المعلمون يعينون بترشيح من مدير المدرسة أو بتزكية من أعيان البلدة مدعمة بتأييد القاضي، وعندما أُنشئت أول مدرسة تم ضم جميع من في الكتاب بما فيه الشيخ إلى المدرسة، وأصبح يمكن تعيين من أنهى السنة الرابعة أو الخامسة، ثم من أنهى دراسة الابتدائية، ومع نشوء معاهد تعد المعلمين للتدريس في المدارس الإبتدائية لم يعد يُقبل الحاصلون على الشهادة الابتدائية فقط، أما من سبق تعيينهم فقد أتيح لهم الدراسة في معهد المعلمين الليلي ليتم تأهيلهم، وكذلك أتيح لهم المشاركة في الدورات التكميلية. ومع الوقت وحيث أصبح تحديد أعمار المعلمين مطلوبا لتحديد سن التقاعد فقد تم تسنينهم عن طريق الأطباء. وكانت رواتب العاملين تأتي بصرر من القماش من مديرية المالية بأملج و ذلك قبل أن تصبح مسؤولية وزارة المعارف، وفي الأعوام المبكرة يتم إكمال مبلغ المرتب بمواد عينية كالسكر والشاي والرز، وكانت المالية تزود المدارس بالورق والريش التي يكتب بها الطلاب، وكانوا يستخدمون الهباب -وهو السواد الذي يتخلف على آنية الطبخ- للكتابة، كما كان سفر الموظف إلى مكان عمله يتم بأمر على مركبات البريد، وفي حالة اضطرار الموظف إلى استعمال وسائل أخرى فعليه أن يظهر أن مركبات البريد لم تكن متاحة، وأن ما دفعه لغيرها مناسب وليس مبالغا فيه. ومن الطريف أن أسئلة امتحانات إنهاء فترة الدراسة الابتدائية في تلك الفترة كانت تأتي من الوزارة، وكانت تُفتح في ساعة الامتحان بوجود لجنة قد يكون فيها قاضي البلدة، ومدير البلدية ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي عام ١٣٨٠ تقدم معلمون ممن يرغبون في دخول امتحان إتمام الدراسة الابتدائية بطلب أن يكون لهم مكان خاص مستقل عن اللجنة التي يمتحن فيها تلاميذهم. وكان بعض مدراء المدارس ينتقلون ليصبحوا قضاة ومدراء إدارات. ورغم أن التعليم النظامي قد بدأ في أملج في عام ١٣٤٤هـ إلا أن أول مدرس عمل فيها وهو حاصل على مؤهل جامعي كان عام ١٣٩٥هـ، بينما كان توظيف الجامعيين في قطاع التدريس قد بدأ في مدن أخرى قبل ذلك بعقد أو اثنين، ولعل تفسير ذلك أن الحاصلين على مؤهل جامعي كانوا يفضلون البقاء في المدن الرئيسية. معظم المدارس كانت تبدأ في مبان يتم استئجارها من أصحابها ولم تكن قد بنيت أصلا لتكون مدرسة، وفي قرية القواق التابعة لأملج بدأت الدراسة في فصول من العشش، وكان التلاميذ يجلسون علي الخصف (مفارش مصنوعة من جريد النخل)، ويحدث أحيانا أن تسقط هذه العشش، فيأتي المدير بنساء من أهل البلدة متخصصات في بناء العشش فيُعدن بناءها. مدرسة أملج السعودية أول مدرسة أنشئت على النظام الحديث، وبقيت المدرسة الوحيدة في أملج مدة أربعين عاما، مكتوب على لوحة الاسم أنها أُسست عام ١٣٤٤هـ، ولكن لا توجد سجلات في المدرسة تثبت ذلك، وبالبحث الدؤوب وجد المؤلف وثيقة في أوراق الدائرة المالية تذكر أن إيجار مدرسة أملج عام ١٣٥١ كان ٥٥٠ قرشا أميرية، ثم وجد عند أحد الأهالي بيان مصدق من دائرة المالية يتعلق بالأستاذ عثمان بكر القصيباتي يوضح أن بداية فترة إدارته لمدرسة أملج كانت عام ١٣٤٨هـ، بعدها تبين وجود كشوف بالرواتب في مالية ينبع يؤكد صرف رواتب لأحد أساتذة مدرسة أملج بدءا من عام ١٣٤٠ه ، كما يسرد المؤلف حكايات إنشاء كل مدرسة و يقدم بعض الوثائق الخاصة بها ، إحدى مدارس القرى المحيطة بأملج واسمها مدرسة القرص والعمير التي تبعد عن أملج ستة عشر كيلا، حيث قام المدير والعاملون بها بعمل مشروع لتغذية الطلاب على حسابهم الشخصي عام ١٩٩٣ هـ ، وربما حدث ذلك لأن مشروع التغذية المدرسية الحكومي لم يكن يصل بخدماته إلى المدرسة. نلاحظ أن هناك مدارس لمحو الأمية مخصصة لموظفي بعض الدوائر الحكومية كالدفاع المدني والشرطة، وكانت تتم بالتنسيق مع المدارس. قبل عام ١٣٧٩ لم يكن هناك تعليم منظم للبنات وكان بعض الآباء يرسل بناته الي بعض زوجات المعلمين العرب للتعلم، وفي مرحلة ما عُهد إلى معلم يمني بتدريس بعض البنات، لكن الأهالي تقدموا بطلب للدولة عام ١٣٧٩ه لفتح مدرسة للبنات، وجاء الرد بأنه قد تم اعتماد مكافأة مالية لمدرسة البنات التي ستقام، وفي الرد طلب إفادة إن كان من زوجات الأساتذة المصريين من هن مؤهلات لتدريس الفتيات، لم ينتظر الأهالي إتمام المشروع، وحسب تقرير رفعته مديرة المدرسة بعد عام ذُكر أن الدراسة قد بدأت بثلاثة فصول وسبع وتسعين طالبة، وثلاث مدرسات، وتمت استعارة منهج وزارة المعارف، ليس بالمدرسة أثاث وتجلس الطالبات على الخصف، يتولي أولياء الأمور دفع أجرة المبنى، الدراسة بالمجان، ولم تتقاض المديرة والمعلمات أجرا ويعملن نظير المساعدة التي قررتها الوزارة (يبدو أنها لم تكن قد وصلت بعد)، وخلال عامين بعد المطالبة تم إنهاء كافة متطلبات المدرسة، ولا شك أن هذه التجربة تؤكد على إمكانية ازدهار مؤسسات المجتمع المدني عندما يحتاجها الأهالي. أعتقد أن الكتاب سيجذب الأجيال التي عاصرت التجربة والأجيال الجديدة التي لا تعرف كيف حفر الرواد في الصخر لتأسيس حياة أفضل لهم، وقد بذل المؤلف جهدا عظيما، وبقي أسلوب الكتاب على تلقائيته وعفويته، وقد تمنيت لو أن إخراج الكتاب أسند إلى محرر يعيد كتابته بشكل يجمع بعض المتفرقات، ويلغي التكرار، ويصحح الألفاظ ، وربما لو وضعت قوائم الأسماء التي ضاعفت حجم الكتاب على موقع في الشبكة يعود إليه القارئ إن لزمه شيء لكان أفضل.