مسلسل «شارع الأعشى » ..

متحف استعادي لإرث ثقافي غني.

في زحمة الدراما الرمضانية وضجيج وسائل التواصل الاجتماعي لما يعرض على العديد من القنوات العربية لمسلسلات عربية، يشدنا شارع الأعشى من جديد هذا العام في موسمه الثاني، كان ولم يزل ذلك الزمن الذي انتقلنا فيه من مرحلة الى أخرى، البساطة في الانتقال من الأبيض والأسود إلى الألوان، من الحب المختبئ والذي ينمو خلف الجدران، وعلى الأسطح المتصلة بالسماء، من رنة الهاتف الذي يتشاركه جميع أفراد الأسرة لسماع الصوت المجهول، الذي قد يفتح الأبواب المغلقة في القلب، ويهدئ لوعة الشوق، لاجتماعات نسوة الحي اليومية وفي المناسبات. استطاع شارع الاعشى أن يجعلنا نستعيد تلك المرحلة، وذلك الزمن، فلم يكن الديكور وحده من صنع تلك المرحلة وجسدها فقط، بل كان أداء الشخصيات تجسيدا دقيقا لأبعاد الواقع الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية، وتصويرا لمشاعر أبطال العمل وتغيراتهم، تتنقل الأحاسيس بمنتهى السهولة في تعابير الوجه، وحركات الجسد والصوت والنغمة بدون مبالغة. فالفن الحقيقي هو النشاط الإنساني الباذخ، الذي يمتلك القدرة على الحياة والاستعادة، بل هو الزمن الذي لا ينتهي، وربما استعادة المسلسل المهمة كان في إعادة المخزون الثقافي والإرث الإنساني للتداول وإحيائه، من اللهجات العامية، للملابس، والبيئة وتفاصيل الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية والمجتمعية. سجادة سعد الملونة على حائط السطح ( الرسالة أو الإشارة للحضور) واجتماع العائلة حول سفرة الطعام على الأرض، التلفاز الذي يجتمع حوله صبية الحارة، رش قطرات الماء لترطيب الأرض، النوم على أسطح المنازل أيام الحر، الفرق بين نساء البادية والمدينة في اللبس والتفكير والجرأة، حلقات الدرس في المسجد، لبس عباءة الرأس، إشهار ببلوغ الفتاة، المرأة في السوق وفي البيت والاحتفاء بالولائم والأعراس، والكثير من التفاصيل التي اهتم بها العمل، لنجد أمامنا متحفا تراثيا حيا، من تلك البيئة القديمة لمناطق الحجاز ونجد وغيرها. والأهم من ذلك أن الأعمال الأدبية والروائية هي الرافد الأكثر أهمية، والعامل الأساسي الذي يحدد مدى نجاح الأعمال الفنية، فالنص أولا، وبعدها تأتي بقية عناصر النجاح. فمن رواية غراميات شارع الأعشى للكاتبة القديرة بدرية البشر، تألق المسلسل في موسمه الثاني بعد نجاح ظاهر في موسمه الأول، وتبدو أهمية هذا النص ليس في اتساع مساحته لبروز المرأة فقط،، بل قدرته في الحفر والتنوع في شخصياتهن، فمن الأم والأبنة، والعاشقة، والمنكفئة والحالمة، والمواجهة، تتجلى المرأة المؤثرة في الجميع ممن حولها، بل وتغير من مسار الأحداث ووتحكم بها، وإن أطلت من خلال الثقوب فللعبور نحو الأفق، تحلق مع الكلمات في الكتب والحكايات العاطفية، وتعبرالبر المتسع والموحش، لتصنع تماثلا مختلفا لإمرأة واجهت الصعاب بمفردها. اتسم الجزء الثاني من المسلسل بتعقيد علاقة الشخصيات، وتقاطع مصائرها، وبروز بعضها على الآخر، وتطور في بنياتها النفسية، وتحول في تفكيرها، وتعاطيها مع المتغيرات، فمن الانكسار للبعض منها، إلى التحقق والظهور والقدرة على إدارة الواقع، فعزيزة الحالمة في جزئه الأول، لعزيزة جديدة تجادل وتواجه، فلم يعد الهروب هذفا لها، بل أصبح الحب الذي ينشأ من تحقق الذات وصراعها. وحينما يتحول الصمت في شخصية عطوة من أسلوب اتقاء إلى مواجهة ويتجلى الصراخ والاعتراض والفعل في شخصية الجازي، والتدبير والمراوغة عند مزنة، ومقاومة وثبات على الحب الأول ما استطاعت في شخصية عواطف. وما نلاحظه بشكل ظاهر أن المراة وحضورها كان قويا، فهي الفاعل الأساسي للأحداث، وكان حضور الرجل كرد فعل أكثر منه محركا، فعواطف هي المحرك لخيارات سعد، وعزيزة هي الجمرة التي ستشعل قلب خالد مرة أخرى، أما وضحى فالشخصية التي استطاعت أن تغير مسار حياة أبنائها، وتعيد ترتيب العلاقات بين الداخل والخارج، والصوت الرافض لتأطير المراة وإبقائها خلف الجدران، كظل مختبئ. جيل حديث ينشأ تواجهه صعوبات التحول والعادات والتقاليد، والتي تفرض حواجزا مضاعفة، يتوازى معه ظهور حركة الصحوة، ومحاولتها طمس معالم الحياة. ولو أن المشاهد كان يتمنى لو أن العمل أهتم بجزئيات كانت ستعطي قدرا مهما في البعد الفني، فمثلا خالد يمتلك محلا لبيع الآلات الموسيقية، وعزيزة تهتم بالفن، فترك المساحة شاغرة بينهما دون تفاعل كان من شانه أن يغني العمل، وربما كانت هي المساحة الأكثر تحررا بين علاقتين. يسهل من خلالها تمرير الأفكار التي كانت الأهم في صعود طبقة التنوير في المملكة والتي أثرت كثيرا في الحياة الحديثة. كذلك هناك تقصير واضح في الصلة الحميمة بين “ أبو إبراهيم وزوجته نورة “، وكان من المهم ملئها دراميا. ولكن طغى الحوار السطحي بينهما الذي لا يعكس عمق العلاقة الوجدانية بينهما مما سطح من شخصية “إبو إبراهيم”. في النهاية لقد استطاع مسلسل شارع الأعشى أن يثبت بجدارة وجوده الفني والإبداعي على أكثر من مستوى، في وقت قل ما نشاهد فيه أعمالا ذات قيمة إنسانية، تعبر عن ماض وحاضر ومستقبل، وتعيد لنا لحظات زمنية، وعلاقات اجتماعية نفتقدها اليوم.