إيران التي تحاربنا!!

السلطات الإيرانية التي تخوض حرباً ضارية ضد إسرائيل هذه الأيام تمارس نوعاً من الاستغباء المكشوف لدول المنطقة حين ترسل صواريخها ومسيراتها إلى أراضي دول الخليج ثم تدّعي أن خصومتها ليست مع هذه الدول، وإنما مع مصالح أمريكا الشريك لإسرائيل في حربهما مع إيران، وبذلك فإنها تخل بالاتفاق التاريخي مع المملكة الذي كان برعاية الصين في بكين في مارس 2023. وبعد ثلاث سنوات من توقيعه ومن العلاقات الطيبة بين إيران وجيرانها جاءت الأحداث الأخيرة لتكشف النوايا التي لا يمكن أن يحجبها أي اتفاق، ولا أن تضمنها أي قوة عظمى. في أي منطق يمكن استيعاب الحجة الإيرانية البليدة؟ خصوصاً وأن جزءاً كبيراً من تلك المقذوفات الطائرة والغادرة تقع على أعيان مدنية؛ فأين مصالح أمريكا وإسرائيل في مطار الكويت؟ وأين تلك المصالح في فنادق وأسواق دبي، وأينها في شوارع المنامة، وسكن العمالة في الخرج؟ وهل كل أولئك القتلى المدنيون الأبرياء الذين ذهبوا جراء تلك المقذوفات من مواطنين خليجيين أو مقيمين على أراضيها أمريكيون؟ كل ذلك، وإيران تعلم تمام العلم أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، كانت على الضد من الحرب على جارتهم إيران، بل ومنعت استخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية من أي نوع، وباعتراف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اتصال مع سمو ولي العهد الأسبوع الماضي بعد أيام قليلة من الضربة الأولى حين شكر المملكة على عدم سماحها للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها لشن ضربة على إيران. السردية الإيرانية يتضح عليها التخبط الواسع، ففي حين تُصدّر دبلوماسيتها خطاباً ناعماً ومتصالحاً تجاه دول المنطقة، ونافية أي نية في فتح جبهة معها، فإن الآلة العسكرية للحرس الثوري على النقيض من ذلك، في مشهدٍ لا يوحي سوى بفقدان بوصلة القيادة في إيران، وتعدد القوى ذات النفوذ على مصادر القرار فيها؛ إلا أنه يكشف في ذات الوقت عن عقلية انتحارية تدير كامل المشهد في إيران، العقلية اليائسة التي فقدت السيطرة، فباتت تعمل بمبدأ «الأرض المحروقة»، مؤمّلةً - وفق قراءة خاطئة وغبية لواقعية المشهد - في أن توسيع رقعة الصراع سيخفف عنها الضغط، أو يجبر الولايات المتحدة على إيقاف الهجمات خشيةً على تأمين تدفق مصادر الطاقة. القراءة الإيرانية لتبعات الهجوم خاطئة، مثلما القراءة الأمريكية والإسرائيلية لمبدأ الهجوم نفسه خاطئةٌ أيضاً. فالعقل الإيراني يؤمل في أن خلط الأوراق سيثني أمريكا والرئيس ترامب في الوقت الذي تطرح فيه الكثير من الحلول في موضوع الطاقة، مما لا يستدعي إيقاف الحرب قبل أن تُنهي أهدافها المعلنة من قبل ترامب قبيل الانتخابات النصفية. وفي ذات الوقت فالعقل الأمريكي أيضاً اعتقد أن الضربة القوية على إيران يمكن أن تكون مشابهة للضربة على اليابان التي أدّت إلى استسلامها بالكامل لأمريكا والحلفاء، ونسي الأمريكان أنهم، في الحالة الإيرانية، يتعاملون مع عقول مؤدلجة ومغيبة بأساطير معينة، ولا يمكنها الاستسلام ولو احترقت إيران كلها بهم. وهكذا، بين موقفين مؤدلجين في الوقت نفسه، تأخذ تعقيدات المشهد إلى المضي في سيناريوهات أكثر قتامة، مما يجعل من توقعات إنهاء الحرب سريعاً، كما يؤمل ترامب، شبه مستحيلة. في وسط كل ذلك الصخب والحرائق الممتدة، هناك ملمح جدير بالتفاؤل الأعمق، حيث فتحت المملكة عدداً من مطاراتها لدول الخليج العربي والعراق، مما يعكس عمق التضامن الخليجي والعربي، وهو ما يجب عدم تجاهله وسط كل هذه الفوضى؛ لأن له ما بعده من أحداث سترسم مصير المنطقة، بعد انقشاع هذه الغيوم.