مخرج سعودي يراهن على نقل الرواية إلى شاشة السينما ..
عبد الرحمن عايل : تأخر دخول السينما للمملكة كان سبباً في هيمنة “ سينما المؤلف “ .
تتجلى ثنائية الكتابة و الإخراج السينمائي لدى عبد الرحمن عايل بوصفها مشروعا فلسفيا و جماليا متكاملا، حيث ينحت فيها مرايا الآخرين، من خلال أسئلة وجودية تنبثق من الأنا في حوارها الدائم مع الآخر. إذ تتحول الكاميرا في أفلامه إلى أداة مساءلة و يتحول السرد إلى مساحة من التأمل لرؤى و قضايا متعددة، لاختبار كينونة الإنسان داخل العالم، و هذا ما اعتمده عايل في أفلامه الستة . وفي السياق ذاته يبرز مخرجنا انفتاحه على عالم الرواية من خلال نقلها إلى شاشة السينما كرواية نحو الجنوب لكاتبها طاهر الزهراني، إذ اكتشف فيها عايل متعة الرحلة و الدهشة خالقا فيها توازنا جماليا بين السرد الروائي و الفضاء البصري،جاعلا من السينما وسيلة لفك مفاتيح لغتها و استيعاب عمقها الرمزي. من خلال هذه الثنائيات التي يطرحها مخرجنا فلسفيا و جماليا في أفلامه و اختياراته الفنية إلى جانب ما يتطرق إليه من مواضيع تلامس الواقع السعودي من جهة و تنفتح على متغيرات عالم السينما من ناحية أخرى كان لــ “ اليمامة “ هذا اللقاء مع الكاتب و المخرج السينمائي عبد الرحمن عايل. يلاحظ في الكثير من أفلامك أنك المخرج و كاتب السيناريو في آن، هل هذا توجه لسينما المؤلف .. لماذا؟ نعم،بحكم تجربتي الشخصية،وبعد ستة أفلام كتبت وأخرجت وشاركت في إنتاج خمسة منها،أرى أن تأخر دخول السينما إلى المملكة العربية السعودية كان سببًا في هيمنة مدرسة “سينما المؤلف” لدينا. بالنسبة الي،السينما هي ساحة شاسعة للتعبير،و من الرائع أن يرسخ الفنان ذاته داخل المنظومة الفيلمية،لذا أغلب أفلامي ذاتية جدًا وتعبر عن حالات وجدانية و وجودية خاصة بي،حيث يوجد في كل عمل جزء من ماهيتي. كيف تختار مواضيع افلامك؟ في البدايات كانت أفلامي ذاتية المنشأ، جزء منها من ماهيتي الشخصية، ومع مرور الوقت ، أصبحت أميل للذوات الأخرى، و أجد متسعا في الآخر. أية فلسفة يعتمدها عايل في أفلامه؟ الطريق يعتبر عنصرًا محوريًا في جميع أعمالي،إذ أبرزه دائمًا برغبة ملحة في العبور نحو الآخر من خلال القصة والحبكة والصورة. ما يهمني هو الوصول للمتلقي دون تشويه أو إخلال،ولهذا يشكل الطريق مساحة للتناول وفضاءً للخيال،فإمكاناته اللامحدودة تجعله مادة جاذبة لي شخصيًا. قمت بتحويل رواية “ نحو الجنوب” للكاتب طاهر الزهراني الى فيلم كيف تم هذا الاختيار؟ فيلم “نحوالجنوب” من أجمل الأعمال التي اخرجتها،وله قصة طويلة لايتسع المجال لذكرها هنا. تم اختيار الرواية من قبل الأستاذ رجا ساير المطيري،وكان من المقرر أن يشارك في برنامج “بعيون سعودية” في ذلك الوقت. عوالم الروائي طاهر الزهراني سينمائية خالصة،ولم تُكتشف بعد. في الكتابة السينمائية، ما الذي يجب أن يبتعد عنه الكاتب، كي يخلق كتابة فنية تصل إلى أحاسيس المتفرج و وعيه؟ المباشرة الفجة تعتبر العدو الأول لكاتب السيناريو،سواء على مستوى الحدث أو الحوار أو الصورة. كما أن البدء بكتابة سيناريو لفكرة غير مكتملة يُعد بمثابة اغتيال للنص،و هذه من أبرز الإشكاليات التي تواجه كتابة السيناريو لدينا. من خلال مشاهدة بعض من أفلامك هل يمكن القول أن عايل متأثر بما تقدمه السينما الايرانية من بساطة الانتاج و ثراء المضمون؟ أنا متأثر كثيرًا بالسينما شرق الأوروبية بشكل عام،وبتجربة الروسي أندري هتار كوفسكي والسويدي إنغمار بيرغمان،فقد كان لهما أثر بارز عليّ شخصيًا. هناك اليوم في السعودية من يراقب أرباح الشباك، فهل هذا التقييم مقياس صائب للأفلام السعودية و إقبال الجمهور؟ هناك العديد من الأفلام الخالدة في تاريخ السينما لم تحقق أرباحًا عند عرضها،لذا فإن نتائج شباك التذاكر ليست معيارًا لجودة الفيلم،بل تخضع لمعايير تسويقية وتجارية بعيدة عن المنحى الفني. لذلك،لا ينبغي للفنان أن يعطيها أكثر من حجمها المادي. المخرج إذ يجمع بين الخيال و الفكر اين يقف المخرج السعودي في هذه الثنائية من خلال ما يطرح في أفلامه؟ يوجد عدد لا بأس به من المخرجين السعوديين المتميزين ممن لديهم تجارب ناجحة في الإخراج،مهما كانت المادة المطروحة. هنا كتنوع في العملية الإخراجية، ولا ينبغي حصرها في خيارات محدودة،فالسينما عوالم أوسع من القوالب. يقال أن المخرج مكتشف الممثلين، هل اكتشف المخرج عبد الرحمن عايل ممثلين خلال تجربته السينمائية؟ في بداياتي كنت حريصًا على خلق أوجه جديدة للسينما، وتشاركت مع عدد من الممثلين المبدعين. رغم أنني أميل للراحة مع من بدأت معهم تجاربي الفنية،يظل العمل على الممثل من أجمل مهام المخرج. في روايتك ٌ”قبل أن تخون الذاكرة” والتي طرحت فيها عدة مواضيع نحت فيها مسارات مختلفة خاضتها الشخصية، فهل نحت صورتك من خلال هذه الرواية؟ نعم،هي سيرة ذاتية،حيث كان الأدب بوابة عبوري للآخر هذه المرة. من أعمالك القادمة ديكودراما (توثيق درامي)عن الشاعر الكبير بدر بن عبد المحسن،لو تحدثنا عن هذه التجربة؟ أحمد الله أني سّر لي هذا العمل في مسيرتي الفنية،حيث التقيت المدرسة الأمير بدر بن عبد المحسن رحمه الله. من خلال سبر أغوار سيرته،التي أراها بلسما لكل الفنانين، وجدت البدر الذي اختار أن يكون فنانًا،والذي وُلد ومعه القلم بدلًا من ملعقة الذهب، البدر الذي أوقد في قلبه شمعة لكل من سيمر على درب الفن،لتكون له رافدًا زاهيًا بالألوان والقوالب. البدر حالة نادرة الحدوث. ما الزوايا التي سيتطرق إليها في هذا المسلسل الوثائقي؟ المسلسل ديكودرامي، يتناول أبرز المراحل في سيرة الأمير بدر بن عبد المحسن رحمه الله، وهي مراحل مفصلية أسهمت في إبراز أحد أهم مؤسسي شعر الأغنية السعودية الحديثة،و أحد رواد الأدب العربي عمومًا. في حوار إعلامي للشاعر بدر بن عبد المحسن،أكد أن هاجس الشاعر أو الفنان هو الخلود، فالي أي مدى توافقه الرأي خاصة و أنت تتناول سيرته الذاتية في عمل تلفزيوني؟ دائمًا ما ينحت الفنان جزءًا منه في ذاكرة المتلقي، فما بالك إن كان الفنان هو الأمير بدر بن عبد المحسن، إذا ستطاع أن ينحت ملامح إنسانية وعاطفية في ذاكرة شعب عربي كامل،ليُخلَّد كفنان وتُخلَّد ذاكرتنا الجمعية كمتلقين. إلى أي مدى نحن بحاجة إلى إيقاظ ذاكرة المشاهد في تناول و تقديم شخصيات أدبية و فكرية رسمت طريقا للأثر و الإبداع ؟ بحر الأسماء لا ساحل له،ما يجعل الخوض في تلك الشخصيات أمرًا صعبًا. وإن نجوت من اختيار الشخصية،لنتسلم من صعوبات الحصول على الحقوق أو التأكد من الخلفيات الدينية والسياسية،إضافة إلى اختيار الزمان والمكان المناسبين للعرض. الأعمال الشخصية حقل مليء بالألغام،ولذلك يتجنبها الكثيرون،وقد ترجع قلة هذه الأعمال لأسباب إنتاجية أيضًا. ما هي مقومات العمل الفني الناجح، القصة أم الإنتاج أم الإخراج أم الفنانون؟ العمل الفني الناجح هو نتاج منظومة متكاملة تجمع بين عمل الكاتب، وتنفيذ المخرج، وتمكين المنتج. لا يمكن الجزم بنجاح عمل فني دون توافق هذه الأطراف. اليوم نجد الفيلم السعودي مشاركا في مهرجانات دولية و متحصلا على جوائز، فهل هذا الاعتراف يعكس قيمة فنية أم تشجيعاً معنويا؟ هو حصيلة جهد تراكمي لعقول اجتهدت وقدرت. السينما لا تحابي أحدًا و لا تلين لأحد، فهي إحدى أهم القوى الناعمة في عصرنا،لكنها ليست بتلك النعومة التي قد نظنها،إذ لا تجامل حين يُعرض الفيلم على مبضع النقد. بعد دخولك إلى عالم السينما مخرجا و كاتبا أين أنت الآن؟ مازلت وسأظل مخرجًا وكاتبًا،فالمسؤولية التعبيرية أكبر حين أمتلك الصورة والقلم معًا. بالإضافة لذلك،أنا مدرب معتمد في كتابة السيناريو بعد أن وضعت منهجًا ميسرًا لكتاب السيناريو المبتدئين، ليجعل الطريق أقل تعقيدًا و أكثر مرونة.