محمد البغدادي في ديوان الأخير « المطمئن في الجحيم » ..
شاعرٌ مطمئنٌ في جحيمه ولا يشبه أحدًا .
“وأنا لا أشبه أحدا”.. هذا ما يقوله الصديق الشاعر العراقي محمد البغدادي عن نفسه في إحدى قصائد ديوانه الأخير (المطمئن في الجحيم)، الصادر هذا العام عن دار الشؤون الثقافية العامة العراقية، ولكنك لست بحاجة لهذا التصريح لتصل إلى النتيجة نفسها، وهو ليس بحاجة ليقول ذلك لنعرفه عنه. على المستوى الشخصي، ومنذ استمعتُ إلى شيء من نصوصه للمرة الأولى قبل أكثر من عشرين عامًا في مهرجان رابطة الخريجين الجامعيين في حمص، أحسستُ بالقرب منها والألفة معها والانجذاب إليها لأن فيها تلك النبرة المميزة والملمح الخاص والنكهة المختلفة التي تُبرزه ما بين أقرانه ويتجلّى بها صوته في غابة الأصوات المتشابهة والمتشابكة والمتداخلة. صحيح أنه يشيد عمارته الشعرية من داخل إطار القصيدة البيتية غالبًا، إلا أنه يضفي عليها من روحه ومزاجه الخاص وحساسيته العالية وتجربته الحياتية الفارقة ما يجعلها ذات سمات خاصة تكون بمثابة بطاقة التعريف به، و”البورتريه” الذي تتجسد فيه صفاته ويقبض فيه على الجوهر من مكنوناته، دون أن نغفل بطبيعة الحال سعيه لتطعيم أبيات قصائده بصور شعرية وتراكيب لغوية تحمل قدرًا من الاختلاف والمغايرة عن السائد والموروث والمألوف. على أنه يفعل ذلك بقدر كبير من التوازن دون إفراط في توليد الصور والاستعارات والمجازات والتراكيب التي تثقل كاهل القصيدة حتى تغوص أقدامها في رمال تلك الصور والتراكيب المتراكمة فلا تستطيع فيها حراكًا ولا منها فكاكًا. الاكتفاء بالذات منذ البداية يخبرنا الشاعر أنه مكتفٍ بذاته ومطمئن إلى جحيمه أو فيها، حيث كأسه دمه وذاته نديمه “أنا مطمئن في جحيمي/ كأسي دمي وأنا نديمي”. ولضمان تحقق ذلك فإنه ينأى بنفسه عن الضجيج والصخب ويلح على الآخرين بقوله: “اسكتوا لحظة لأسمع نفسي/ إن هذا الضجيج يحفر رأسي” مؤكدًا جنوحه إلى الهدوء والسكينة ونفوره من الصخب وتجانفه عن الضجيج الذي يعكر عليه صفو الإنصات إلى ذاته. هو شاعر غارق في ذاته مستغرق فيها، وهو ما يفسر حضور “الأنا” في قصائده، وحتى حين يلجأ لاستخدام ضمير المخاطب أو ضمير الغائب، تنويعًا لمستويات الخطاب وتعديدًا للأصوات، فنحن على يقين أنه إنما يتوجه بالحديث إلى ذاته أو يتحدث عنها، فالمخاطب هو الشاعر نفسه والغائب هو الشاعر نفسه أيضًا. هو سجين في ذاته، كما يقول مخاطبًا إياها في قصيدة (لا تسمِّ الأشياء): “يا سجينًا في نفسه وخيال امرأة في المساء يذبح نحرك”. وفي الشطر الثاني من البيت كما هو واضح إلماح إلى علاقته الملتبسة بالمرأة التي تحضر هنا خيالاً يتعلق به الشاعر الذي “لا تراه النساء وهو يراهن خيولا يركضن في نزواته”، كما يقول في قصيدة (فوضى). الحبيبة وفسحة الأمل وعلى ارتباط بذلك، تحضر المرأة/الحبيبة بكثافة في القصيدة الطويلة “المناجيات” التي تتكون من 32 قصيدة ومقطوعة، يبث فيها الشاعر لواعجه، مخاطبًا إياها حينًا، ومتحدثًا عنها حينًا آخر، بكل ما فيه من حنين وتعطش إليها وولوع بها. ولأنها قصائد حب، فإن النفس الرومانسي الأقرب إلى التقليدية طاغ عليها، كما يتناوب ويتمازج فيها الحضور الحسي للحبيبة بالتعالق الوجداني معها، فهي تحضر روحًا وجسدًا لتملأ على الشاعر عالمه وتمنحه فسحة من الأمل وتفتح له نافذة يطل منها على شمس الحياة المشرقة، فهو لا يكون شاعرًا إلا إذا لمستْ الحبيبة يده “أكونني شاعرًا إذ تلمسين يدي/ وإذ تزورينني أمتدُّ للأبد”، وهو لا يكتب إلا ما يوحيه جمالها له “إني لأكتب ما يوحي جمالك لي/ فصفقي لك إن أعجبتِ بالغزل”، فهي الجديرة بالثناء لأنها مصدر الإلهام ومنبع الوحي الشعري. ونسمعه يخاطب نفسه في عبارة شعرية متوهجة قائلًا: “واحتضنها برقة ودلال/ معصم كلها وأنت سوار”. قصائد الحب هذه أو “المناجيات” كما يسميها الشاعر تخفف ما في الديوان من سوداوية وتشاؤم وكآبة تمد ظلالها على كثير من نصوصه، سواء ما يرتبط منها بذات الشاعر أو بعلاقته بوطنه ومدينته الأثيرة بغداد التي اضطر للرحيل عنها مع من رحلوا مؤثرين صقيع المنفى على جحيم الوطن الذي لا يجد الخمود والسكينة والسلام إليه سبيلا. يقول فيما يشبه التعريف بهذا الوطن: “ هو الوطن المؤجل منذ حرب/ وحرب لم أرده ولم يردني”، فهو وطن “مؤجل” عصيٌّ على التحقق لكثرة ما تتابع عليه من الحروب، ويقول عن نفسه في علاقته بوطنه: “أنا المنفي في وطن يواري/ حرائقه بموال المغني”، فهو منفيٌّ في وطنه، غريب عنه حتى قبل اضطراره للجوء إلى المنفى. التماهي مع القصيدة بغداد أيضًا حاضرة في صفحات الديوان حضورًا شجيًّا يحمل الكثير من المشاعر المتناقضة في قصائده. في قصيدة (شيء) يطلب من بغداد أن تصبح أشياء كثيرة: جنة أو عذابًا، محرابًا أو حانة، منفى أو بلادًا، نارًا أو شمعة، ملحًا على جرح أو ضمادة، حياة أو موتًا إلخ. هو بالأحرى يريدها أن تكون أيَّ شيءٍ، وكأنها عدم لم يتشيأ بعد، تصويرًا ربما لعلاقته الملتبسة بها. هناك من الشعراء من “ينفصلون” عن قصائدهم، فلا ترى فيها ذواتهم ولا تُلمح قسماتهم ولا تُرى على دروبها آثار أقدامهم، وهناك من الشعراء من “يتوحدون” معها ويذوبون فيها، حتى تصبح مرآة وصورة وانعكاسًا لهم. في قصيدة (لا تسمِّ الأشياء)، يتحدث البغدادي عن تماهيه وذوبانه وفنائه في القصيدة، وتلك غاية الإدراك وذروته القصوى، حتى ليكاد ذاك الإدراك أن يتحول إلى نوع من “العبادة” التي توقع صاحبها في الشرك بمعناه الرمزي والاستعاري بطبيعة الحال، حيث يقول في البيت الأخير منها: “إن توحدّتَ بالقصيدةِ أدركتَ/ ومن أدركَ القصيدةَ أشرك”.