قصة 3000 يوم من التجديد..

كيف أعاد ولي العهد تعريف القوة الناعمة؟

على مدار 3287 يومًا ـ منذ أن تمت بيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد في 21 يونيو 2017م (26 رمضان 1438هـ) ـ لم تكن التحولات التي شهدتها المملكة مجرد إصلاحات اقتصادية أو إدارية متفرقة، بل إعادة صياغة شاملة لمفهوم القوة ذاته؛ من قوة ترتكز تاريخيًا على الثقل النفطي والمكانة الجيوسياسية، إلى قوة ناعمة تستثمر في الثقافة، والسياحة، والرياضة، والصناعة الإبداعية، بوصفها أدوات تأثير عالمي طويل الأمد. لتتحول المملكة من اقتصاد أحادي المصدر إلى دولة تصنع صورتها وتصدر سرديتها، وتنافس على مساحات التأثير الحضاري والرمزي في العالم. إعادة تعريف القوة الناعمة لم يكن مفهوم القوة الناعمة حاضرًا في الخطاب التنموي السعودي قبل 2016 بهذه الكثافة المؤسسية. لكن مع إطلاق «رؤية 2030» التي صاغ ملامحها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، جرى التأكيد على أن الثقافة والترفيه والسياحة ليست قطاعات تكميلية، بل روافع استراتيجية لتنويع الاقتصاد وتعزيز الحضور الدولي. هنا بدأت ملامح التحول؛ لم تعد المملكة تُعرِّف نفسها فقط بوصفها أكبر مصدر للنفط في العالم، بل بوصفها دولة تستثمر في إرثها الحضاري، وتعيد تقديم ذاتها للعالم من خلال اقتصاد إبداعي ناشئ، يجعل من الثقافة موردًا تنمويًا ومن الهوية عنصرًا فاعلًا في معادلة التأثير الدولي. هذا التحول لم يكن خطابًا نظريًا؛ فقد تأسست وزارة الثقافة السعودية عام 2018، وتفرعت عنها هيئات متخصصة تكاد تغطي كامل الطيف الثقافي، من هيئة الأدب والنشر والترجمة، إلى هيئة الأفلام، وهيئة الموسيقى، وهيئة التراث. لم يكن ذلك توسعًا إداريًا بقدر ما كان إعلانًا عن انتقال الثقافة من الهامش إلى صدارة الفعل التنموي، ومن الرعاية التقليدية إلى التخطيط المؤسسي المنظم. فالثقافة هنا لم تعد مساحة تعبير فحسب، بل صارت ميدانًا للاستثمار، وصناعة للفرص، وبنية قائمة بذاتها داخل الاقتصاد الوطني. هذا البناء المؤسسي يعكس إدراكًا بأهمية القوة الناعمة التي تُبنى بصبر السياسات وطول النفس؛ عبر استثمار منهجي في الإنسان السعودي، وتأهيل المبدع، وتنظيم السوق الثقافي، وصياغة أطر تشريعية تحمي المنتج وتمنحه قابلية النمو. وهكذا تحوّلت الثقافة من نشاط رمزي إلى قطاع منتج، له معاييره ومؤشراته وأثره الممتد. بنية ثقافية جديدة مع إطلاق الأعوام الثقافية بمساراتها المتعددة، وتدشين أعوام متخصصة مثل: «عام الخط العربي» و»عام القهوة السعودية» و»عام الشعر العربي» و»عام الإبل» و»عام الحرف اليدوية»، أعادت وزارة الثقافة تعريف العلاقة بين التراث والهوية والاقتصاد، ولم تعد هذه المفردات مجرد مكونات رمزية، بل تحولت إلى عناصر قابلة للاستثمار، تُنتج فعاليات دولية، ومنتجات إبداعية، وحراكًا ثقافيًا عابرًا للحدود. لقد أُعيد تقديم الرمز التراثي بوصفه مادة حية قابلة للتطوير، لا أثرًا ساكنًا في المتحف؛ وأصبح الاحتفاء به مناسبة لإعادة صياغته بلغة معاصرة، تحفظ أصالته وتوسّع دائرة تلقيه. في هذا السياق، برز دور هيئة التراث في تسجيل مواقع سعودية جديدة ضمن قائمة التراث العالمي لـ «اليونسكو»، مثل: واحة الأحساء، وحِمى الثقافية، وغيرها، وهذا لم يكن مكسبًا سياحيًا فحسب، بل اعترافًا دوليًا بسردية تاريخية سعودية باتت أكثر حضورًا في الوعي العالمي. وإلى جانب ذلك؛ تشكّلت منظومة دعم ثقافي أكثر اتساعًا، شملت برامج للمنح والابتعاث الثقافي، ومسارات لتمكين المبدعين، وتنظيم المعارض والبيناليات الدولية، بما رسّخ حضور المملكة لاعبًا فاعلًا في الخريطة الثقافية العالمية. صناعة الصورة العالمية لا شك أن القوة الناعمة تبدأ بالصورة، وخلال السنوات التسع الماضية انتقلت المملكة من حضور إعلامي مرتبط بالأزمات الجيوسياسية وأسعار النفط، إلى حضور مرتبط بالمواسم الثقافية، والمهرجانات السينمائية، والفعاليات الفنية الكبرى. على سبيل المثال لا الحصر نجد «موسم الرياض» الذي تحوّل إلى أحد أكبر المواسم الترفيهية في العالم من حيث عدد الزوار وحجم الفعاليات. لم يكن ذلك مجرد نجاح تنظيمي، بل مؤشرًا على تحوّل استراتيجي في كيفية إدارة الحضور السعودي على المسرح الدولي. هذا التحول في الصورة لم يكن تجميليًا، بل جاء ثمرة رؤية واضحة تبنّاها وقادها الأمير محمد بن سلمان، تقوم على أن التأثير لا يُنتزع بالقوة الصلبة وحدها، بل يُبنى بالجاذبية والقدرة على صناعة التجربة. فإعادة تأهيل المدن، وتطوير البنية التحتية، وفتح المجال العام لفعاليات ثقافية وفنية غير مسبوقة، لم تكن خطوات غير محسوبة، بل أجزاء من مشروع متكامل لإعادة تعريف المملكة في الوعي العالمي. وهنا تبدو الصورة الجديدة انعكاسًا مباشرًا لإرادة سياسية اختارت أن تواجه الصورة النمطية بالفعل لا بالرد، وبالإنجاز لا بالخطاب. ولا شك أن الصورة الذهنية عن المملكة بوصفها فضاءً مغلقًا بدأت تتراجع أمام مشهد مختلف تماما، فالمملكة اليوم أصبحت بلدًا يستضيف نجوم الأدب والفن والرياضة، ويعرض تراثه بلغة عصرية، ويستقبل ملايين الزوار في مواسمه وفعالياته، وهذا بلا شك نتاج تخطيط طويل النفس، أدرك أن المكانة الدولية تُبنى عبر تراكم التجارب الإيجابية في وعي الشعوب. السياحة.. بوابة الانفتاح كان إطلاق التأشيرة السياحية في عام 2019م محطة مفصلية في مسار القوة الناعمة، فالسياحة ليست مجرد نشاط اقتصادي؛ إنها دعوة مفتوحة للعالم لزيارة المكان، واختبار تجربته، وإعادة تشكيل انطباعاته. وقد جاء هذا التحول ضمن رؤية استراتيجية يقود مسارها الأمير محمد بن سلمان، حيث تحولت السياحة إلى أحد أهم محركات تنويع الاقتصاد الوطني، مع مشاريع كبرى؛ مثل: مشروع البحر الأحمر السياحي، ومدينة نيوم، ووجهة العلا، دخلت المملكة سباق الوجهات العالمية عالية الجودة، ليس كمتابع للسوق السياحي الدولي، بل كمنافس يفرض معاييره الخاصة في السياحة الفاخرة والسياحة الثقافية المستدامة. وتجلّى نجاح هذا المسار في الأرقام المتصاعدة لعدد الزوار الدوليين، وفي تنوع التجارب السياحية التي تجمع بين التراث والطبيعة والحداثة العمرانية. فـ «العلا»، بإشراف الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أصبحت نموذجًا عالميًا لدمج التراث بالاستثمار المستدام، حيث تحولت المنطقة إلى مركز للفعاليات الثقافية الدولية، ومختبر لتجربة السياحة المسؤولة التي تحافظ على البيئة الطبيعية والتاريخ الحضاري معًا. الرياضة.. قوة التأثير العالمي خلال السنوات التسع الأخيرة، تحوّلت الرياضة في المملكة إلى أحد أكثر أدوات القوة الناعمة حضورًا وتأثيرًا، في مسار يعكس الرؤية الاستراتيجية لولي العهد، والتي تقوم على توظيف الرياضة بوصفها لغة عالمية للحوار والتواصل الثقافي والاقتصادي. وقد انتقلت المملكة من دور المتابع إلى دور الفاعل والمؤثر، عبر استضافة فعاليات عالمية كبرى مثل سباقات جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1، وبطولات الملاكمة العالمية، واستضافة بطولات عالمية للأندية مثل كأس العالم للأندية. كما شكّل الفوز باستضافة كأس آسيا 2027، والفوز باستضافة كأس العالم 2034، مؤشرًا على تحول استراتيجي في توظيف الرياضة كأداة دبلوماسية ناعمة تعزز المكانة الدولية للمملكة، وتربط بين الاقتصاد الرياضي والاستثمار السياحي والإعلامي. هذا الحضور لم يقتصر على التنظيم فحسب، بل امتد إلى صناعة المشهد الرياضي نفسه؛ حيث دخلت الأندية السعودية بقوة في سوق التعاقدات العالمية، باستقطاب نجوم كرة قدم عالميين إلى الدوري السعودي للمحترفين، ما جعل الدوري السعودي محط متابعة جماهيرية وإعلامية لملايين المشاهدين حول العالم، وفتح بابًا جديدًا أمام التسويق الرياضي والاستثمار الإعلامي الدولي. وإلى جانب ذلك برزت مبادرات رياضية نوعية مثل دعم رياضة المرأة، وتطوير الأكاديميات الرياضية، وتنظيم مسابقات دولية في مدن سعودية مختلفة، بما عزز تنوع المشهد الرياضي السعودي. تبادل معرفي وتحول رقمي امتدت القوة الناعمة السعودية إلى فضاءات أكثر تعقيدًا وعمقًا في التأثير الدولي، حيث برزت الدبلوماسية الثقافية كأحد أدوات الحضور العالمي للمملكة، ضمن مسار استراتيجي تقوده رؤية التحول الوطني، فقد توسعت العلاقات الثقافية الدولية عبر شراكات ثقافية مع مؤسسات عالمية، وبرامج تبادل معرفي وفني مع عواصم ثقافية كبرى، إلى جانب تعزيز حضور المملكة في المنظمات الثقافية الدولية. كما دخلت المملكة عصرها الرقمي بقوة، حيث أصبح التحول الرقمي والاقتصاد التكنولوجي أحد أعمدة النفوذ المستقبلي. وشهدت توسعًا كبيرًا في الخدمات الحكومية الرقمية، وتطوير البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، مع الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها مجالًا استراتيجيًا للتنافس العالمي، كما برزت صناعة المحتوى الرقمي والإعلام الترفيهي من خلال نمو منصات المحتوى المحلية، وتطور الإنتاج السينمائي السعودي، وازدهار الصناعة الإعلامية الترفيهية التي تخاطب الجمهور المحلي والعالمي في آن واحد، لتتحول الثقافة الرقمية إلى امتداد جديد للقوة الناعمة السعودية في الفضاء العالمي. اقتصاد بلا نفط التحول إلى اقتصاد متنوع ليس شعارًا بل مسارًا تقاس نتائجه بالأرقام. التقارير الرسمية تشير إلى ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، ونمو الاستثمارات الأجنبية. هذه المؤشرات تعكس انتقال الثقل من الريع النفطي إلى اقتصاد إنتاجي متعدد، في إطار استراتيجية تنموية يقود مسارها سمو الأمير محمد بن سلمان، حيث جرى ربط الإصلاح الاقتصادي بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني بعيدًا عن تقلبات أسواق الطاقة العالمية. وقد أسهمت برامج التحول الاقتصادي في جذب استثمارات أجنبية مباشرة إلى قطاعات جديدة، بدعم من مبادرات حكومية أطلقتها جهات مثل وزارة الاستثمار. حين تتحول الفعالية الثقافية إلى صناعة، والموقع الأثري إلى وجهة عالمية، والمباراة الرياضية إلى منتج إعلامي عابر للقارات، فإن القوة الناعمة تصبح موردًا اقتصاديًا، لا مجرد رصيد معنوي، بل رافعة اقتصادية تخلق وظائف جديدة، وتفتح مجالات لريادة الأعمال الإبداعية. من الرؤية إلى الواقع القوة الناعمة لا تُستورد؛ إنها تُبنى عبر الإنسان، بوصفه الغاية والوسيلة في آن واحد. خلال السنوات التسع الماضية، شهدت المملكة توسعًا غير مسبوق في برامج الابتعاث والتدريب وتمكين الشباب، حيث جرى توجيه السياسات التنموية نحو الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه أساس التحول الحضاري. كما ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل، وتوسعت فرص حضورها في مجالات الثقافة والرياضة وريادة الأعمال، فصار هذا التحول الاجتماعي جزءًا أصيلًا من إعادة صياغة صورة المجتمع السعودي. ومن الناحية المؤسسية، لم تبقَ «رؤية 2030» مجرد إطار نظري، بل تحولت إلى مشروعات عمرانية واقتصادية وثقافية ملموسة، تتجسد في مدن ومشاريع كبرى، وفي فعاليات تستقطب ملايين الزوار سنويًا، وقد أعادت هذه التحولات تعريف العلاقة بين الدولة والمستثمر الأجنبي، فالمملكة أصبحت منصة لمشاريع استراتيجية ضخمة. وفي المحصلة، وبعد أكثر من ثلاثة آلاف يوم من التحول، تبدو ملامح المشهد أكثر وضوحًا واتساقًا؛ فالسعودية لم تتخلَّ عن ثقلها الاقتصادي المرتبط بالطاقة، لكنها لم تعد أسيرة له، بل جعلته جزءًا من منظومة أوسع لصناعة المستقبل. لقد أعادت تعريف القوة الناعمة في سردية وطنية جديدة يقودها سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بحكمة واقتدار.