أن تدرك متأخراً أفضل من ألا تدرك أبداً ..

خلال قراءتي لرواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب محمد البرمي، استوقفتني عبارة لم أتمكن من تجاوزها: “أنا نتاج أيامي الواعية، أيامي الصعبة”. عبر هذه الكلمات، تطرّق الكاتب إلى موضوعٍ مهم. فالأيام الصعبة التي يمرّ بها الإنسان، ويشعر خلالها بالألم، ليست لحظات عابرة تمرّ دون أن تترك أثراً فيه؛ بل إن هذه الأيام هي التي تُشكّل حياته، والوعي هو ما يمنحه القوة لاستكمال الطريق، واتخاذ القرارات السليمة. في هذه العمل، نجد العديد من الشخصيات التي عاشت التشتّت العاطفي؛ بين الرغبة في الحياة، والرغبة في إنهائها خوفاً من مواجهة الألم. لكن في مرحلة ما، يظهر في حياتها أشخاص لم تتوقع وجودهم، فيكونون المنعطف والتغيير الذي تحتاجه، لتتمكن من تجاوز كل ما مرَّت به. أثناء قراءتي للرواية، تذكّرت مشهداً من فيلم «طعام، صلاة، حب» المقتبس من رواية الكاتبة الأميركية إليزابيث جيلبرت، حين مرّت البطلة بلحظات التشتّت ذاتها التي عاشتها الشخصية الرئيسية في «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى». قال لها صديقها: “سنمرّ بمشاكل كثيرة، قد يكره أحدنا الآخر، لكن رغم كل تلك المشاكل، يكفي أننا ما زلنا معاً، نساند بعضنا البعض، رغم بؤس العلاقة من الأفضل أن نكون بائسين سوياً على أن يكون كل شخص منا بائس لوحده” كما في رواية الأستاذ محمد البرمي حين يقول: “رغبتُ في ترميم كل الأشياء التي كسرتها بيدي”. فهل يمكننا ترميم ما كُسر؟ نعم، يمكننا ذلك، لكننا لن نعود كما كنا سابقاً. فكل ما مررنا به يترك فينا أثراً، يشوّهنا أحياناً حتى نعجز عن التعرّف إلى أنفسنا. لذلك، قد يكون الرحيل في مرحلة ما من بعض العلاقات هو النجاة للطرفين، حتى لا يُدمّر أحدهما الآخر. فالأمر لا يقتصر على طرفي العلاقة فحسب، بل يمتد ليشمل أطرافاً أخرى، كما في شخصية شيرين في الرواية، التي أصبحت ضحية نفسها وضحية بطل الرواية. جزء من مسار هذه الرحلة -رحلة الحياة- أن نمرّ بالتشتّت العاطفي، أو نصل إلى نضجٍ يوقظنا لنفهم أن الاستمرار في الضياع قد يدمّرنا. لذلك، علينا أن ننجو بأنفسنا، وأن نسعى إلى التغيير؛ لأن التغيير هو النجاة. * البحرين