يوم الاحتفاء براية التوحيد.

من اللّافت للانتباه أن الاحتفاء بالعلم في بلادنا بدأ في وقتٍ مُبكّر، وذلك لتعريف النشء الجديد به وإدراك أهميّته، فقد كان كتاب “المحفوظات” للصّف الثاني من المرحلة الابتدائية في مدارسنا، في السبعينيات الهجرية من القرن الماضي وبالتحديد في عام 1378، كان يحتوي على عددٍ من الأناشيد المُقرّرة على التلاميذ، ومنها نشيد “العَلَم السعودي”، وهو من تأليف الأستاذ “عمر عبدالجبار” رحمه الله، وفيه يقول: رايتُنا خضراءُ شِعارُها العَلاءُ السّيفُ فيها مُشهَرُ تزهو بهِ وتُنصَرٌ تَخفقُ في الأرجاءِ ناضرة البهاءِ نمشي صُفوفاً خلفها ونطلُبُ النّصرَ لها قُلوبُنا ترعاها وروحُنا فِداها يأتي عَلَم بلادنا الغالية ليزرع في نفوسنا كِباراً وصِغاراً قيَماً إيجابية، ويُذكّرنا بما قدّمهُ الآباء والأجداد من التّضحيات العظيمة في سبيل الله ثم الوِحدة الوطنية وجمع الشّمل والأمن والاستقرار، ويزرع في النفوس التذكير بأن الوطن الذي نعيش على أرضه كان له الفضل الكبير، بعد الله عزّ وجلّ، في رِفعتنا وتقدُّمنا، والتاريخ المُشرّف الذي نفتخر به والإنجازات التي تحقّقت، فراية المملكة التي تُرفرِف في المحافل الدولية السياسية والعلمية والثقافية والمناشط الرياضية، تملأ النفوس بالبهجة والعِزّة والفخار. العَلَم كما هو معروف، يُعدّ رمزاً للهويّة الوطنية والانتماء، وهذا الرمز يعني الكثير لكلّ فردٍ من أفراد أيّة أُمّة أو شعبٍ من الشعوب، وإذا نظرنا عبر التاريخ، وجدنا أن الدّوَل والامبراطوريات، الصغيرة منها والكبيرة، كانت ترفع أعلامها في مُقدّمة الجيوش حين تُسيّرها، أو خلال المُناسبات الوطنية حين تُقيمها. وقد عُرف العَلَم خلال أطوار التاريخ بكثيرٍ من المُترادفات التي تُشير إلى قيمته ودلالاته في حالتيّ السّلم والحرب، ولعل أهمّها هو تعريف العلّامة “القلقشندي” للأعلام بأنها: “الرايات التي تُحمَل خلف السُّلطان عند رُكوبه، والرّاية: هي العَلَم الصغير، واللّواء: هو العَلَم الكبير..”. وفي عصرنا الحاضر، جرى تناول رمزيّة العلَم في كثيرٍ من الأدبيات في بلادنا، وخاصّة في القصائد الحماسية التي تُلقى في لحظات الاحتفال والمناسبات الوطنية. فقد حضر العلَم بشكلٍ مباشر، كما في قصيدة الأستاذ “سعيد فياض” رحمه الله الشهيرة: “بلادي منار الهُدى”، حيث يقول: باسم المُهيمن حامي العلَم مؤكّداً أن الله سبحانه وتعالى هو من سيحفظ هذا العلَم شامخاً مُرفرفاً بمشيئته تعالى، وذلك لوجود عبارة التوحيد “لا إله إلا الله محمّد رسول الله” مُسطّرة على صفحته. كما ورد العلَم بشكلٍ مُضمر في الشّعر، كما في قصيدة الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله: “فوق هام السُّحب”، حين يُخاطب الراية في لحظةٍ شاعرية، لحظة صباحٍ باكر في وسط ميدان مليء بالجنود، يتقدّم أحدهم ليرفع العلَم على السارية العالية، فيُراقبها الشاعر ترتقي وترتقي حتى تصل إلى قِمّة السارية إلى أن تستقرّ، فيطلب المزيد حين يودّ للراية أن تستمر في الارتفاع حتى تعلو السّحاب وتتخطّاه. يصدح الشاعر بهذه القصيدة مٌخاطباً الوطن كُلّه، ومُصوّراً كفاح الآباء والأجداد، الذين ضحّوا وتكاتفوا واتّحدوا تحت ظلال هذه الراية. فالعلَم رمز الوطن، عظيمٌ كعظَمته وجميلٌ كجَماله، يزهو عالياً خفّاقاً أمام العيون، فتخفق بحُبّه خلجات القلوب، وفي سبيله يتغنّى الشّعراء ويفديه الأبطال، وفي يوم الاحتفاء به تُقام أروع الاحتفالات. العلَم رمز البلاد وعنوان استقلالها وهويّتها وانتمائها وسيادتها، هو شِعار الدولة وعلامتها الفارقة، وبه تُعرف وتتميّز عن البلاد الأخرى. العلَم ليس مُجرّد قطعة قماش مُلوّنة، ولا مجرّد راية تُرفع.. إنه تجسيدٌ لمعاني الوٍحدة والشّرف والكرامة والحُريّة، ولهذا تحرص الدّول في كلّ أرجاء الدُّنيا على أن تبقى راياتها عالية خفّاقة في الساحات والميادين، وفوق المباني والمؤسّسات الرسمية. إن من الجدير بالانتباه، ورود العلَم في النشيد الوطني للمملكة: “سارعي للمجد والعلياء”، حيث يقول: وارفعي الخفّاق أخضر يحمل النور المُسطّر في إشارةٍ إلى العناية برفع كلمة التوحيد والاعتزاز بها والمحافظة عليها، ورفع منزلتها في القلوب والعقول، فالإسلام هو دين الحقّ، وهو النور الذي ينبغي أن يصل إلى كل إنسان.. وكذلك الإشارة إلى جمال اللون الأخضر وحيويّته، ودلالته على الخصوبة والعطاء والنّماء. حفظ الله بلادنا الغالية، وأدام عِزّها ومجدها، ورفع رايتها مُرفرفة عالية خفّاقة.