عهد التحول الكبير..

تسع سنوات من الإنجاز تحت مظلة رؤية 2030.

ازدانت المملكة العربية السعودية خلال السنوات التسع الماضية بمرحلة تحوّل تاريخية ارتبطت بتولي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، وانطلاق مسيرة إصلاح وتحديث شاملة أعادت رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع، وتنفيذ برامج ومشروعات كبرى تحت مظلة رؤية السعودية 2030، التي مثلت الإطار المرجعي للتحولات المتسارعة في مختلف القطاعات، في ظل توجه استراتيجي يقوم على التنويع، والاستدامة، وتعزيز المكانة إقليميًا وعالميًا. التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. كان الاقتصاد في صدارة أولويات المرحلة الجديدة، مع التركيز على تقليل الاعتماد على النفط بوصفه المصدر الرئيس للدخل، ومن خلال برامج الرؤية، جرى العمل على تنمية القطاعات غير النفطية، مثل السياحة، والصناعة، والتقنية، والخدمات اللوجستية، والترفيه، مع ارتفاع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، كذلك توسعت الاستثمارات في قطاعات واعدة كالصناعات العسكرية والتعدين والطاقة المتجددة، ومجالات الذكاء الاصطناعي. وشهد صندوق الاستثمارات العامة توسعًا ملحوظًا في أصوله واستثماراته المحلية والعالمية، ليصبح أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، ومحركًا رئيسًا للمشروعات الاستراتيجية الكبرى، مما أسهمت هذه السياسة في تعزيز الثقة بالاقتصاد السعودي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين بيئة الأعمال عبر تحديث الأنظمة والتشريعات. المشروعات الوطنية العملاقة. ارتبطت السنوات التسع بإطلاق حزمة من المشاريع الكبرى التي تستهدف بناء اقتصاد مستقبلي متنوع، من أبرزها مشروع نيوم، الذي يمثل نموذجًا لمدن المستقبل القائمة على الابتكار والاستدامة والتقنيات المتقدمة، متزامنة مع انطلاق مشروعات تطوير البحر الأحمر والقدية والدرعية وغيرها، بما يعزز مكانة المملكة كوجهةً سياحية واستثمارية عالمية، لاسيما وهذه المشاريع لم تكن مجرد خطط عمرانية، بل أدوات لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية، وتوفير فرص عمل، وتحفيز القطاع الخاص، ونقل المعرفة والتقنية، إلى جانب تعزيز جودة الحياة للمواطنين والمقيمين. تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها. وارتفع خلال المرحلة نسبة مشاركة المرأة السعودية وتمكينها في سوق العمل بصورة ملحوظة، وتوسعت فرصها في مجالات كانت محدودة سابقًا، حيث تولت مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص، ودخلت مجالات جديدة في القضاء، والدبلوماسية، والطيران، والرياضة وغيرها، وسط اصلاحات تشريعية وتنظيمية أسهمت في تعزيز استقلالية المرأة ومشاركتها المجتمعية، ما انعكس إيجابًا على صورة المملكة عالميًا، وأكدت توجه الدولة نحو الاستفادة من كامل طاقاتها البشرية دون تمييز. تطوير القطاعات الثقافية والترفيهية. وكان للحياة الثقافية والترفيهية نصيبها الوافر والنقلة الكبيرة، عبر تأسيس هيئات متخصصة وتنظيم فعاليات ومواسم كبرى، جذبت ملايين الزوار من داخل المملكة وخارجها، فعادت الحياة لدور السينما، وتوسعت الفعاليات الفنية والموسيقية والمسرحية، وأُطلقت برامج لدعم الصناعات الإبداعية، وتصولًا أن هذا التحول لم يكن ترفًا، بل جزءًا من رؤية شاملة لتحسين جودة الحياة، وتوفير خيارات متنوعة للمجتمع، وتحفيز الاقتصاد الإبداعي بوصفه قطاعًا واعدًا، مع إبراز التنوع الثقافي السعودي، وتعزيز الحوار الحضاري مع العالم. إصلاحات إدارية وتشريعية. وجرى العمل على تحديث الأنظمة والإجراءات الحكومية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ومكافحة الفساد، وتحسين كفاءة الإنفاق، والعمل على اصلاحات ساهمت في رفع تصنيف المملكة في مؤشرات التنافسية الدولية، وتسهيل ممارسة الأعمال، وتطوير الخدمات الرقمية، آخذين في العلم توسعات كبيرة شهدها التحول الرقمي، حيث أُطلقت منصات حكومية إلكترونية متقدمة سهّلت إنجاز المعاملات، ورفعت من كفاءة الأداء، وعززت تجربة المستفيدين. الاستثمار في الإنسان والتعليم. أدركت المرحلة الجديدة أن التحول الحقيقي يبدأ من الإنسان، لذلك جرى تطوير المناهج التعليمية، وتعزيز برامج الابتعاث، ودعم التدريب المهني والتقني، بما يتواءم مع احتياجات سوق العمل، إضافة إلى إطلاق مبادرات لتمكين الشباب، ودعم ريادة الأعمال، وتحفيز الابتكار، وتهيئة الشباب ليغدو محورًا رئيسًا في خطط التنمية، سواء عبر تمثيلهم في المجالس والهيئات، أو من خلال البرامج الداعمة لمشروعاتهم الناشئة. وأسهم ذلك في خلق جيل أكثر ثقة وقدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. تطوير القطاع السياحي أبرز التحولات تجلت في فتح المجال أمام السياحة الدولية عبر إصدار التأشيرة السياحية، وتطوير الوجهات الطبيعية والتراثية، وتنظيم الفعاليات العالمية، ليجعل السياحة رافدًا اقتصاديًا مهمًا، يسهم في تنويع مصادر الدخل، ويوفر فرصًا وظيفية واسعة، فكان الاهتمام بالمواقع التراثية وإعادة تأهيلها، بما يعزز الهوية الوطنية ويربط الماضي بالحاضر في سياق تنموي مستدام، من ضمنها لا للحصر ما تشهده العلا من اهتمام كان له السبب في الجذب السياحي لها. الحضور الدولي والسياسة الخارجية. وعززت المملكة حضورها الدولي خلال السنوات التسع، عبر أدوار سياسية واقتصادية متقدمة، ومشاركات فاعلة في القمم الدولية، واستضافة فعاليات كبرى، كما لعبت دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، منسأتها سياسة خارجية بنهج متوازن يسعى إلى تنويع الشراكات، وتعزيز المصالح الوطنية، ودعم الاستقرار والتنمية في المنطقة. الاستدامة والطاقة المتجددة. في واقع التوجه العالمي نحو الاستدامة، أطلقت المملكة مبادرات بيئية ومشروعات للطاقة المتجددة، تهدف إلى تقليل الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد الأخضر، فكان الإعلان عن خطط طموحة لزراعة الأشجار، وتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يرسخ موقع المملكة لاعبًا رئيسًا في مستقبل الطاقة، ولنا في مشروع الرياض خير مثال في رفع نصيب الفرد من المساحة الخضراء في المدينة، وزيادة نسبة المساحات الخضراء الإجمالية فيها من خلال إطلاق نشر وتكثيف التشجير في كافة عناصر المدينة ومختلف أرجائها، مع تحقيق الاستغلال الأمثل للمياه المعالجة في أعمال الري، بما يساهم في تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة في المدينة، وتشجيع السكان على ممارسة نمط حياة أكثر نشاطاً وحيوية . جودة الحياة وتطوير المدن شهدت المدن السعودية تطويرًا ملحوظًا في البنية التحتية، والحدائق، والمرافق الرياضية، ومسارات المشي، والخدمات الصحية، وارتفعت مؤشرات الرضا عن جودة الحياة، مع توسع الخيارات الترفيهية والثقافية والرياضية، مع التركيز على أنسنة المدن، وتحسين المشهد الحضري، وتطوير شبكات النقل، بما يسهم في رفع مستوى المعيشة وتعزيز الصحة العامة. السنوات التسع الماضية مثلت مرحلة تحول مفصلية في تاريخ المملكة العربية السعودية، وانتقالها من نموذج اقتصادي يعتمد بصورة رئيسة على النفط، إلى مسار تنموي متنوع يستثمر في الإنسان والتقنية والمعرفة، وجاءت هذه التحولات برفقة إصلاحات اجتماعية وثقافية عميقة، أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ووسعت دائرة الفرص أمام المواطنين، رغم التحديات الطبيعية التي تصاحب أي عملية تحول واسعة، فإن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تعكس تقدمًا ملموسًا في تحقيق مستهدفات الرؤية، وترسيخ أسس اقتصاد مستدام ومجتمع حيوي ووطن طموح، لنصل ليقين أن تجربة السنوات التسع تؤكد على أن التخطيط الاستراتيجي المقترن بالإرادة السياسية يمكن أن يحدث تغييرًا جذريًا في زمن قياسي، وأن الاستثمار في الإنسان والبنية المؤسسية هو الضامن الحقيقي لاستمرار الزخم التنموي في العقود المقبلة.