المرأة.. من كسوف الماضي إلى إشراق المستقبل.
في “اليوم الدولي للمرأة” الموافق للثامن من مارس من كل عام، يقف الإنسان أمام ضميره، مستحضرًا نصفه الآخر الذي طالما حمل نصف العبء، وأُعطي أحيانًا نصف الحق، بل وأقل. غير أن المرأة — في حقيقتها التاريخية والإنسانية — لم تكن يومًا نصفًا عدديًا فحسب، بل كانت حاملة الأسى ومانحة المعنى في آنٍ معًا. لقد عاشت المرأة في عصور موغلة في القدم زمنًا أموميًا كانت فيه مركز الحياة الاجتماعية ومصدر النسب والسلطة، قبل أن يقع ما يمكن تسميته بالانقلاب الذكوري حين تبدلت موازين القوة والإنتاج، ومنذ ذلك التحول التاريخي دخلت المرأة في مسار طويل من الصراع مع التهميش، حيث تنقلت فيه بين التقديس والتدنيس، بين التأليه والاستعباد، وبين الاحتفاء الرمزي والإقصاء الواقعي. وفي حضارات قديمة رُفعت إلى مقام الآلهة بوصفها رمز للخصوبة ونبع للحياة، ثم ما لبثت أن هبطت إلى قاع المجتمع حين احتكر الرجل مصادر الإنتاج والسلطة. ومع ذلك بقيت استثناءات مضيئة. ففي مصر القديمة نالت المرأة مكانة قانونية واجتماعية متقدمة حتى تسنمت عرش الحكم كما فعلت “كليوباترا” مما يؤكد أن الثقافة هي التي تصوغ موقع المرأة، لا الطبيعة. ومع بزوغ الإسلام أعيد ضبط المعادلة على أساس الكرامة الإنسانية المشتركة، فالنساء شقائق الرجال في الإنسانية والتكليف، غير أن المشكلة لم تكن يومًا في النصوص بقدر ما كانت في التأويلات القاصرة، والعادات التي أُلْبِسَت لبوس الدين، فأعادت إنتاج أنماط من التهميش لا تمت لجوهر العدالة بصلة. حين نتقدم في مسار التاريخ الحديث، نجد أنه كان للمرأة حضور بارز في الحراك الدولي، ففي صياغة “ميثاق الأمم المتحدة” عام 1945 قادت السيدة البرازيلية “ بيرثا لوتز” مجموعة من المندوبات اللاتي كافحن لإدراج مبدأ المساواة بين النساء والرجال ضمن نص الميثاق. ولم تكن المرأة موضوعًا لحقوق الإنسان فحسب، بل كانت شريكة في صياغة تلك الحقوق. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في عام 1948م لم يولد نتيجة جهد ذكوري خالص، بل كانت وراء صياغته أقلام نسائية واعية. فقد تولت “ السيدة إليانور روزفلت” مندوبة بلادها “الولايات المتحدة الأمريكية” إلى “الجمعية العامة للأمم المتحدة” رئاسة لجنة حقوق الإنسان، وقادت عملية الصياغة بحنكةٍ سياسيةٍ بارعة في ظل توتر دولي بالغ الحساسية، وذلك في بداية الحرب الباردة بين الشرق والغرب، محافظةً على وحدة اللجنة وموجهةً أعمالها نحو إنجاز الوثيقة التي أصبحت مرجعية أخلاقية للعالم كله. كما نجحت زميلتها الهندية في اللجنة “السيدة هانسا مهتا” في تعديل العبارة الافتتاحية التي كانت (يولد كل الرجال أحرارًا ومتساوين) لتكون (يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين) وهو تعديل لغوي بسيط في ظاهره عظيم في أثره، إذ رسّخ شمول المساواة للنساء والرجال معًا. كما أسهمت الدبلوماسية الدومنيكانية “منيرفا برنادينو” في تضمين عبارة المساواة بين الرجال والنساء في الديباجة، وطالبت “ماري هيلين ليفوشيو” الفرنسية بتكريس المساواة في المادة (2)، ودافعت الباكستانية “بيجوم شيستا إكرام الله” عن تضمين المساواة في الزواج ضمن المادة. (16) فيما أصرت السيدة البلاروسية “إيفدوكيا إرالوفا” من أجل تضمين الحق في أجر متساوٍ للعمل المتساوي في المادة (23) وهكذا لم تكن المرأة مستفيدة من “الإعلان” فحسب، بل كانت شريكة في صياغة لغته وهندسة روحه، وكأن كلمة “جميع” في مادته الأولى لم تأتِ مصادفة، بل جاءت نتيجة إصرار نساء أدركن أن اللغة تصنع الوعي، وأن حذف امرأة من النص قد يعني حذفها من الواقع. غير أن المفارقة المؤلمة أن هذه المكاسب الحقوقية لم تُنْهِ وجع العنف الذي ما يزال يلاحق المرأة في صور متعددة. فالتقديرات تشير إلى أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء عالميًا تعرّضت للعنف الجسدي أو الجنسي مرة واحدة على الأقل في حياتها، ولم يعد العنف حبيس الجدران، بل تسلل إلى الفضاء الرقمي، حيث تتعرض النساء للتنمر والابتزاز والتشهير والتزييف باستخدام تقنيات حديثة إن العالم لا يحتفي بالمرأة لأنها ضعيفة تحتاج إلى عطف أوشفقة، بل لأنها قوية تستحق شراكة كاملة، ولأن ازدهارها ليس شأنًا نسويًا ضيقًا، بل شرطًا لنهضة الإنسان كله. فحين تُحمى المرأة من العنف، وتُمنح فرص التعليم والعمل، وتُشرك في صناعة القرار، يبدأ التاريخ من جديد، لا بكسوفٍ آخر، بل بإشراقٍ مستدام.