ديوان «لأنها الغابة ..» لمحمد إبراهيم يعقوب..
قصائد تعيش على الحافة، لا تطلب الطمأنينة ولا تمنحها!
منذ بدأت قرّرت القراءة على مهل. قرأت القصيدة الأولى وعرفت أني أمام نصوص لا تُقرأ دفعةً واحدة، بل تُؤخذ على جرعاتٍ كحلمٍ متقطّعٍ في ليلٍ طويل. منذ العبارة الأولى التي يفتتح بها الشاعر هذا الديوان: «في سردٍ ذاتي لا يعني أحداً» وجدت نفسي في منطقة كتابة مستقلة؛ لا تطلب عاطفة ولا موافقة، ذاتٌ تحتاج أن تقول. الشاعر كتب لينجو، أفلت من العدم بالكلمات، يعرف «أن الكلمات تعيش طويلا» وأراد كتابة شيءٍ ما! لم يتقدّم بوصفه «شاعراً» بل بوصفه كائناً قلقاً، هشاً، مرتبكاً، بسيطاً ومعقداً، حساساً، لا يثق كثيراً بالنفس، مرتاب، يتجرأ أحياناً ليقول: «هذا الهباء/ أنا زعيم قبيلةٍ فيه» لم أشعر أمام هذه النصوص أنني أمام قصائد بالمعنى المعهود، كنت أدخل منطقة «وعي يتكلم». غرفة بلا سقف، تتراكم فيها الذاكرة، والرغبة، والطفولة، الأم، والأب، البحر، الحب، الخوف، لوم النفس، اللغة، والشك، من دون ترتيب زمني أو سردي، قصائد تُتلى لكشف القناع عن ندمٍ ناضج، عن وجعٍ يشبه من عرف العالم ثم سامحه على ضعفه، الصوت القادم من هذه الغرفة صوت ينكشف على نفسه، يخرج من بين هذا التاريخ المتراكم ليقول دون أن يكذب، ليعترف وهو يلوح للعالم، لعل هناك من ينصت ولو قليلا: «لا أملك قلباً صلباً/ في العادة أسهو عن حذرٍ فأعود جريحاً» وكأنها سمة لهذا العالم، أن نسهو قليلاً، قليلاً فقط لنعود بخيبة وكدمة في الروح والأوفر حظاً منا يعود ولو بـ «قصيدة شعر» ولو «خائفةً»! يقول: «أنا ضدّ التعلّق / كائنٌ عجِلٌ ومشتبهٌ به في العيش” ثقة مهزوزة بالاستقرار، والحب، والهوية، وحتى ذاته، ومن أجل ذلك ربما تظهر هذه الذات متفرّقة، متصدّعة، طفولية، تظهر أحياناً كظلّ، وأحياناً جسد، وفي أحيانٍ أخرى كذاكرة مرتابة. حتى حين يعرّف نفسه، يكون ذلك بصيغة تحمل نزعة استقلال: “أنا ظلّ نفسي” وهذه منطقة عيش خطرة، هو ليس إنسانًا واحدًا متماسكًا، لا يعيش بوصفه هو، واحدًا، بل بوعيه بذاته المنقسمة إلى نصفين، نفسه وظلها، هذا الوعي الحادّ يمنعه أن يسلّم نفسه بالكامل لأي شيء، وهذا ربما يفسّر خوفه وتردده وموقفه من التعلّق وارتيابه في الحب. كنتُ أشعر أن اللغة في هذه القصائد لا تحميني، بل تضعني في مواجهة أعمق مع ما يخيفني: «لي ما أخاف / الفائض اللغويّ في الإيقاع» والخوف ليس من الصمت، بل من الزيادة: من أن تقول اللغة أكثر مما تحتمل التجربة، فتصبح خيانة ناعمة. ولهذا ربما شعرت أن الصور في القصائد دقيقة، متقشفة، حادّة، لا تزيّن، لا تُرضي، تسمي الأشياء بأسمائها، حتى الشعر نفسه لا يُعامل كقيمة مقدسة. في لحظة صادقة، يقول: «شعرٌ غنائيٌّ رديءُ» شكّ في التراث العاطفي كله، في الشعر حين يتحوّل إلى وسيلة للراحة لا أداة انكشاف. في كثير من الأماكن أربكني نزعه لقدسية الحب، لم أشعر أن الحب يفتح باباً في هذه القصائد، بل كان يدفعني إلى الحافة، ويقول لي بوضوح، وحدّة أحياناً: الحب تجربة تحتمل الفشل غالبًا، مجازفة، مثل الحياة كلها: «طوق نجاةٍ لم ينقذ أحداً/ ثقةٍ غامضةٍ/ خداعٍ بصري/ خدرٍ من نوعٍ آخر/ نقطة ضعف/ خارطة التيه الأبدي/ المستند التوضيحي الأصلي لمعنى رمية نرد!» الحياة كلها وفي صميمها الحب ليست أكثر من «رمية نرد»، ومثل كل الأشياء، يهددنا الحب! والذاكرة كذلك، مركز تهديد، مخاطر محتملة في أي لحظة، كان يمشي حافيًا عليها بالفعل، يقول: «ذكرياتي ما تخمّنهُ الدوافع / لم أخن أحداً تماماً» كانت هذه من أخطر جمل الديوان. الذاكرة تأويل أكثر منها سجْل! وحتى البراءة غامضة: «لم أخن تمامًا»، لا براءة مكتملة، ولا إدانة مكتملة، لا اعتراف كامل، ولا تطهير كامل. كل شيء يبقى في منطقة رمادية. ولهذا تعود القصائد مراراً إلى ما يسميه: «الثنائيات منطقة التوتر» لا شيء يتحدد بسهولة، لا يوجد أبيض محض ولا أسود كذلك. الحب ليس خيراً مطلقاً والذنب ليس شراً من كل الوجوه. الوجود لا يقف في مكان، كل شيء يهتزّ ويتحرك حتى حين يبدو ثابتاً! وفي الوسط من هذا القلق كله، لا يبقى إلا الشعر لا بوصفه فناً، بل بوصفه مخاطرة. الشاعر يسمّيه صراحة: «سرقة نار» سرقة المعنى، والدفء، والاستمرار. الكتابة ليست رفاهية، بل اقتحام، اجتياح، سرقة لا بد منها. من أجل هذا يقول: «لكيلا أدّعي ما ليس لي اخترت القصائد» الديوان كان غابة بالفعل. الغابة هي الوصف الدقيق للتجربة؛ الداخل الإنساني: الكثيف، المتشابك، المظلم أحياناً، الخصب أحياناً أخرى. وهو ينتظر إما نهراً / حياة، معنى، أو نيزكاً/ كارثة، نهاية، ولا وسط بين الاثنين. هذه القصائد التي تعيش على الحافة، لا تطلب الطمأنينة، ولا تمنحها، لكنها تصغي إلى الإنسان حين لا يتظاهر بالقوة، وحين يعترف، ببساطة، بأنه يخاف، وأن الخوف نفسه جزء من وجوده، من وعيه، ومن الطريق الذي يسلكه في هذه الغابة: «لي ما أخاف» هذا الديوان لا يُقرأ فقط، بل يُعاش. كل صفحة كانت طريقاً في الغابة، كل كلمة خطوة على أرض غير مستقرة. لا أتوقّع أني فهمت كل شيء، لكني كنت أشعر، أتأمّل، وأسمع ذلك الصوت برهافة. وبصدق تام، قراءة هذا الديوان كانت تجربة فريدة، موجعة وجميلة في آن. *باحثة دكتوراة