من الوثيقة إلى الذاكرة: من يكتب تاريخنا؟
التاريخ لا يُروى فقط، بل يُختار. وفي كل اختيار تُكتَب رواية، وتتكوّن ذاكرة، وتتشكّل هوية. وهنا يبرز السؤال الأهم: من يكتب تاريخنا؟ ومن يحدد ما يُقال وما يُنسى؟ وما الدور الذي يتحمله كل من المؤرخ، والإعلام، والتعليم، والمواطن في هذه العملية المعقدة؟ في الظاهر، يبدو أن التاريخ يُكتب في الوثائق والمخطوطات والأرشيفات. لكنه في الحقيقة يُعاد تشكيله كل يوم في نشرات الأخبار، وفي كتب المدارس، وفي تغريدات منصات التواصل، وفي أحاديث المجالس. فالمؤرخ ليس وحده من يصنع الرواية، بل هناك من يوجّهها، ومن يُجمّلها، ومن يختزلها، بل أحيانًا من يُسيء قراءتها. المؤرخ مسؤول عن جمع الحقائق، لكنه أيضًا مسؤول عن عدالته في سردها. لا يمكن أن يكون مجرد ناقل لما كُتب قبله، بل عليه أن يتعامل مع الوثيقة بوعي، ويقرأها ضمن سياقها، ويقاوم إغراء الانحياز، لأن قلمه لا يرسم الماضي فقط، بل يرسم ملامح المستقبل. أما الإعلام، فهو أكثر الجهات تأثيرًا في تشكيل الذاكرة المعاصرة. ما يُعرض، ما يُغفل، طريقة التقديم، زاوية التركيز، وحتى نبرة الصوت... كلها عوامل تزرع في ذهن المتلقي صورة معينة عن الماضي. الإعلام لا يوثق فقط، بل يصنع انطباعات، وبعضها قد يبقى أقوى من الكتب. وفي المدرسة، حيث يُشكَّل الوعي الأول، لا يجب أن يُقدَّم التاريخ كأسماء تواريخ محفوظة، بل كقصص حقيقية تُفهم وتُناقش، وتُربط بالهوية والانتماء والتحديات المعاصرة. كل فصل دراسي يفتقد هذه الروح، يترك فراغًا في ذاكرة الأجيال. وأخيرًا، المواطن نفسه شريك في صناعة الذاكرة. ما ينقله، ما يتحدث عنه، ما يختاره ليُروى لأطفاله، أو يُشارك به عبر حسابه في منصات التواصل الاجتماعي، يسهم بشكل ما في تشكيل فهم عام للتاريخ. المواطن ليس مؤرخًا محترفًا، لكنه حامل لذاكرة جمعية لا تقل أهمية عن الأرشيف الرسمي. ختاماً من يكتب التاريخ ليس فردًا واحدًا، بل منظومة كاملة. وكلما كان الوعي حاضرًا، كلما كانت الرواية التاريخية أقرب للعدالة والدقة. أما إذا تُرك الأمر للصدفة أو الرغبة، فإن ما يُكتب اليوم قد يُساء فهمه غدًا، ويُبنى عليه وعي مشوّه. فالتاريخ يبدأ من الوثيقة، لكنه لا يكتمل إلا حين يصبح جزءًا من ذاكرة واعية ومسؤولة. 📍 منصة X | @BinOthman90