التوقيع.
القريية - بموقعها النائي وعزلتها المتجذرة في الأعماق - تحتكر طبيعتها ، وخصائصها التكوينية داخل عذريتها ، وهواجسها المرتمية على خفقة شراع أو أهزوجة تجديف : ياالله صباح الخير ياالله صبـاح الخيـــر أول صلاتي ع النبي رزقك على الله ياطير سواحلها ذات الايقاعات الملونة يستبد البعد بفتنتها ، وعطاءاتها فلا تشرع أذرعتها للآخرين إلا في حالات نادرة حيث يكون للبعض فيها مجيء ، بحكم علاقة أواصر القربى أو تآلف الجوار . من مرتفع في الشمال تستطيع أن توزع نظراتك في كل الاتجاهات ، ثم تلملم شتاتها - في الجهة المعاكسة - فتنتزع منك الواجهات البيضاء للمنازل هزة إعجاب بتناسقها العفوي ، وبياض جدرانها الناصع ، وبواباتها المشرعة في اتجاه واحد يستقبل هبوب الرياح الشمالية الجافة في موسم القيظ ، ويستعذب رياح الجنوب - المشبعة بالرطوبة - في موسم الشتاء بما تحمله في حناياها من نصاعة بياض الأشرعة وتباشير عودة الغائبين ، فتهزج أم ، وتتأوه زوجة ، وتعرش الفرحة في نفس طفل تزهر على شفتيه كلمة « بابا « بريئة كبراءة الطفولة في عينيه . هكذا كان الزمن يكرر خطواته في زوايا القرية ومنعطفاتها ، لكن زمنا - آخر - يأتي ، ويأتي إلى القرية أناس مغتربون تقذف بهم رياح الجهات دون أن يكون لهم الاغتراب خيار أو اختيار . تستقبل دار الغربة مغتربيها فرادى ، ومثنى ، وجماعات - في بعض الأحيان - ومنها في جوف القرية ومنعطفاتها وزواياها يتوزعون في ثنايا نوعيات المهن ومحاولة التداخل مع الآخرين . في دار الاغتراب ينتظم حضور صباحي مع مطلع شمس كل يوم ، وخلف واجهة مكتب خشبي قديم ، يجلس المسؤول عن الدار على كرسي - غير متوازن الأرجل - ومن درج يحتل وسطه يخرج قائمة طويلة بالأسماء التي يتعاقب عليها التوقيع ، ويتعاقب بعد ذلك استلام إعاشة الاغتراب . مغترب تنتصب قامته العملاقة السمراء كعمود داكن اللون ينغمس في خاصرة الأفق ، كان يخطر في قوامه الرشيق ، ومشيته الأنيقة ، يهز الاعجاب رأسه المكشوف ذا الشعر المفلفل ، وتنسحب من خاصرته « فوطة « تسقط أطرافها حتى أخمص قدميه السوداوين المنتعلين حذاءين لايحظيا إلا بملامسة منتصفيهما الأماميين ، أما باقيهما فقد تركت لهما مهمة إحداث صوت يعرف بصاحبه قبل أن تراه العين . يحين موعد الصلاة فترتفع أصوات المؤذنين من من منارات مساجد القرية ، ومن بين الأصوات المتداخلة يبزغ صوت المغترب متفردا بشذوذه العذب ، ونبرته الروحية فيرش سماء القرية جلالا ، وخشوعا « الله أكبر .. الله أكبر .. لاإله إلا الله « وفي المحراب كانت القلوب خلفه تصعد إلى بارئها مع كـل آية تنفرج عنها شفتاه . تغلق المنازل أبوابها - بعد صلاة العشاء من كل ليلة - وتغط القرية في نومها وهدوئها المطمئن ، ومن منزل في أطرافها يعتلي المغترب أحد جدرانه الحجرية ينطلق صوته الرخيم - شاقا عمق السكون - « ياليل .. ياليل .. ياعين « وفي الصباح الباكر ينتظم في سرب زملائه أمام مكتب التوقيع ، وفي إحدى يديه « مسبحة تتثنى بين أصابعه تتلمس واقعها بين الغناء والاستغفار . في يوم يكاد يشذ عن سياق تلك الأيام ، قدم إلى القرية مغترب جديد ، في قسمات وجهه رعب ينم عن شكله المخيف الغارق في كثافة شعره المبيض وشاربيه المعقوفين تحت أرنبة أنفه كعمودي شر يتطاير منهما شيء ينبىء بكسر رتابة الاطمئنان فيما يخبئه الغيب في حنايا وطيات المستقبل . لم يستطع مجتمع المغتربين ، ولا مجتمع القرية أن يهضما شخصية الرجل المدفون في كثافة وتلافيف ثيابه التي لاتبدو منها إلا ساعداه المشمرتان عن شيء مجهول ، وسكينه المغروسة في حزامه العريض . رأسه الذي لم يعرف أحد فصيلة شعره ، كان يختبئ تحت شال مائل إلى الحمرة الداكنة ، وربما سرب من كائنات دقيقة ترتع في لفاته المتراكمة كسلم حلزوني يكاد يهترئ بفعل ماتراكم عليه من قاذورات . لم يستطع أحد أن يتقبله ، ولم يشأ هو - تحت وطاة شكه في كل شيء - أن يتقبل أحدا . لم ينتظم - كزملائه - في سرب التوقيع ، ولم تدمغ إبهامه كشوفات إعاشة الاغتراب . كل ذلك في معتقده « ناريات « حسب كلمة كان يرددها كلما عن له شيء من وهمه . رأى الرجل جماعته من المغتربين يحاولون تحسين أوضاعهم المعيشية بممارسة بعض المهن .. بعضهم يجلبون الماء من الآبار على عواتقهم - يوزعونه على منازل القرية - وبعضهم يفتتحون المخابز- ومحلات للحلويات ، وآخرون يمارسون مهنة لم يعرفها أهل القرية - من الرجال - من باب النظرة المتدنية إليها ، ومن باب قانون العيب - فيغسلون الثياب لعلية القوم ووجهائهم . اختار الرجل مهنة تتناسب مع طبيعته الشرسة فافتتح مجزرة وأصبح يفتتح صباحاته بالدم وسلخ الجلود . في القرية رجل طيب القلب والتعامل - مع الآخرين - لايدل دكانه المتواضع عما يشاع عنه من ثراء ، ولايشير مظهره إلى بسطة في الغنى .. اكتسبت عتبات دكانه لونا قاتما خلفته لزوجة الدهون من بقايا مسح الأيدي ، وتدلت من حزامه الجلدي سلسلة مفاتيح لايختلف لونها عن لون عتبات باب الدكان ذي « الدكتين « اللتين كان يتكئ على إحداهما على مخدة مهترئة ، وأمامه « جبنة « قهوة « يكرع «فناجينها منذ بداية النهار حتى تفرغ . في المكان بوابتان كبيرتان مقوستان ومتقابلتان تستقطبان الهواء - من جهاته الأربع - يصل بينهما سقف من جذوع « الدوم « المعمورة بعيدان المانجروف « الشورا « السوداء البحرية ، وفوق السقف غرف ومشربيات من بقايا أخي الرجل الذي رحل إلى دار أخرى . زير فخاري ترشح جوانبه بالماء ، يغترف الرجل من مائه ليرش به أرضية المكان - في الضحى - تلطيفا للجو ثم يملؤه - مرة أخرى ليشرب منه كل عابر سبيل . بدأ طول الاغتراب يقلم أظفار التوحش من سلوك الرجل صاحب الشوارب الغليظة ، والسكين المغروسة في الحزام ، وبدأ شيء من « تآلف المتناقضات « ينمو بين طيبة الرجل صاحب الدكان ، وشراسة المغترب الرافض للتوقيع ، ويصبح المكان ذو البوابتين الواسعتين سوقا يجلس المغترب على دكته الثانية ، يبيع فيه اللحم ، ويمد من يد الألفة إلى الآخرين ، حتى أصبحت كلمة « عم « تقليدا وربما تقديرا يسبق اسمه الحقيقي كلما ناداه إنسان . سنوات مرت والرجل يبسط ألفته على أرضية المجتمع دون أن تتغير ملامح وجهه الغاضب أو يغير التآلف شيئا من عدم ثقته بالناس . كان لايترك لأحد فرصة أن يسير إلى جانبه ، أو خلفه بل كان دائما يسير في الخلف ، وفي المسجد كان يصلي منفردا مهما تكاثرت الصفوف . أما في منزله كان لا ينام كالآخرين . كان مأواه صندوق من الخشب يغلقه على نفسه من الداخل دون أن يترك له أي منفذ سوى فتحات صغيرة خصص إحداها لتناول حبل « أرجيلته « العتيقة والفتحات الأخرى يختلط في منافذها دخول الهواء وخروج الدخان من صندوقه العجيب . غموض غريب كان يكتنف حياة هذا الرجل ، لكن تقادم الزمن ، وتكرار التعامل معه ألغى كثيرا من التساؤلات ، وفعاليات الخوف المنتصب على شاربيه الكثيفين ووجهه المحتقن بوحشية التجاعيد الغاضبة . أتى إلى القرية مغترب جديد قالوا إنه من مدينة الرجل الغريب الأطوار والتصرفات فلاحظ الناس تغيرا مفاجئا في سلوكه تبعه اختفاء عن الأنظار وعن ملحمته المألوفة . أرباب دار الغربة وزبائن الذبائح المشنوقة في أعمدة جذوع الدوم وخزهم غيابه عن استلام إعاشته اليومية وفراغ حبل مشنقة ذبائحه اليومية . الذين دعتهم إنسانيتهم أو فضولهم لتفقده في أماكنه المألوفة ، لم يدهشهم شحذه لسكاكينه ، لكن الذي أدهشهم أنه كان يتناول كؤوسا من الملح المذاب ، وأدهشهم - أيضا - أن أحدهم عندما يسأله : كيف حالك ياعم ؟ تأتي إجابته بملوحة المحلول الذي يشربه : « روح مانا طيب» . وأطل - على القرية - ثالث أيام العيد - الذي لم يأت في زينته كالعادة - إذ لم تكن العيون تنفض بقايا نعاسها ، ولم تكد الشمس تغسل بشعاعها خلايا الأفق من بقايا الندى الليلي حتى انتشر في القرية خبر مروع عابس كوجه صاحبه العبوس . لقد بث الرجل شارب الملح كرش المغترب الجديد على عتبة باب داره الخارجي في غفلة منه ، وقبل أن تجف سكينه من دمها عرج على صديقه « الطيب « الثري وغرس سكينه في بطنه ، وقبل أن تفوح رائحة الرعب ضحى بأحد رفاقه المغتربين في زقاق بعيد عن الأنظار . على وقع كل ذلك تجمع حول الجاني أرباب دار الغربة محاولين كبح جماح القاتل فاشتبك مع أحدهم وكاد ينهي حياته لولا طلقة عاجلة من بندقية زميل أحد أرباب دار الغربة تركت الوحشية المستفحلة جثة تتخبط في جفافها .. تساءل الناس عن سبب الهياج القاتل ، وتساءلوا عن الجثة التي لم تنزف قطرة دم واحدة ، ولاول مرة في تاريخ القرية تشيع جنازة بأجرة ، ولأول مرة لم يؤطر جدث بصفائح من الحجارة ، ويترك القبر كومة من تراب .