العنـوان: عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي الكاتبـة: رجاء البوعلي التصنيف: مجموعة قصصية (١٥ قصة) الطبعـة: الثانية، سبتمبر 2024 عدد الصفحات: 162 صفحة حين يعبر بنا الزمن من ضفاف الطفولة الوادعة نحو عقود العمر الممتدة، تضج الذاكرة بتراكمات وتجارب تصرخ طلباً للخروج إلى العلن. وفي محاولة أدبية لتوثيق هذا العبور، تأتي المجموعة القصصية «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» للكاتبة رجاء البوعلي، لتقبض على شوارد ذاكرة حديدية قبل أن يلتهم النسيان جزءاً منها. تضم المجموعة الصادرة في طبعتها الثانية خمس عشرة قصة، وتتميز بعتبات بصرية لافتة، حيث تتصدر كل قصة لوحة فنية لتشكيلين مختلفين، مما يخلق تماهياً بين اللون والكلمة. تسعى الكاتبة عبر هذه النصوص إلى سرد الذكريات بصيغة أدبية راقية، مُلبسةً إياها ثوب الحكاية لتكون شاهداً حياً يهتف بصوت عالٍ: «لقد عبرنا من هنا». صوت الأنثى وتموجات المجتمع لعل أبرز ما يميز هذه المجموعة هو ذلك الصوت الأنثوي الواضح الذي يخوض في أزمنة مختلفة، راصداً تموجات التغير الاجتماعي والفكري في بيئتنا المحلية عبر العقود. ففي القصة الاستهلالية، تضع الكاتبة وعيها الفكري على محك التجربة اليومية في علاقتها مع «العاملة المنزلية»، محاولةً ردم الهوة بين التنظير والممارسة الإنسانية، في سردية تكشف خبايا النفس وتساؤلات الوعي. وتواصل البوعلي هذا الرصد في قصتها «شقة في الملحق الأخير»، حيث تنقلنا إلى عوالم الاغتراب. إنها ليست مجرد قصة عن معاناة طالبة مغتربة، بل هي وثيقة لمرحلة زمنية عبرت، تروي تفاصيل اختلاف البيئات وأثرها العميق في تكوين الشخصية. الأسئلة الوجودية والهزات الفكرية في القصة المركزية التي حملت المجموعة عنوانها «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي»، ينتقل السرد إلى مستوى أكثر عمقاً، حيث يطغى السؤال الوجودي والثقافي. تسرد القصة تجربة فتاة تخرج إلى عالم ثقافي مغاير تماماً، وتنخرط في حلقات نقاش تجمع ثقافات متعددة. هنا، تضعنا الكاتبة أمام «هزات فكرية» تتعرض لها البطلة، وتترك القارئ أمام تساؤلات ملحة: هل تجاوزت البطلة هذه الهزات بفكر جديد يُلهم حياتها القادمة؟ أم أنها تكلست وتقوقعت على أفكارها الأولى؟ تاركةً الإجابة لتفاعل القارئ مع الحوارات ومآلات الرحلة. بين «جاثوم الحب» ووجع الفقد لا تغفل المجموعة الجانب الشعوري الصرف؛ فللحب وجروحه نصيب كما في قصة «جاثوم الحب»، لكن الألم يتجلى بصورته الأقسى في قصة «متعة». هنا يبدو الزمن بسيوفه مصلتاً على رقبة الأنثى، يضعها أمام مفترق طرق وخيارات صعبة، حيث تغوص الكاتبة في آلام البطلة ومصير من يتلقى سهام القدر في مواجهة سطوة الآخر. وتصل ذروة المشاعر الإنسانية في النصوص التي تتناول «فقد الأب». تلك التجربة التي تزلزل كيان الإنسان. ورغم محاولة البطلة أن تكون «صخرة صماء» أو جبلاً راسخاً، إلا أن رحيل الأب يهدّ ذلك الجبل ويجعله مسحوقاً تذروه رياح الفقد، في تصوير بليغ لحالة الانكسار الداخلي والذهول الذي يصيب من حول الفقيد. خاتمة إن مجموعة «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» هي باختصار سجل لهموم وتجارب أنثوية صِيغت بسرد قصصي متماسك. إنها نصوص تستفز العقل وتدفعه للغرق في التفكير، معيدةً قراءة الكثير من المحطات الإنسانية والاجتماعية بعين جديدة. ---------------------- *باحث وكاتب مهتم بسرديات المدن وأدب الحواس. يعمل على مشاريع بحثية توثق الذاكرة الشمية وتاريخ الأمكنة، وله اشتغالات في الكتابة السردية والنقدية. للتواصل: بريد الكتروني : ibrahimtaweel@gmail.com