يحدث أن تقع على رواية لا تسأل فيها عمّا يريد الكاتب قوله، بل عمّا يطرأ عليك أنت أثناء القراءة. هذا بالضبط ما فعلته بي «أصل الأنواع» لأحمد عبد اللطيف. ليست رواية بالمعنى المطمئن للكلمة؛ ليست حكاية عن شخصيات تتقاطع وتفترق فحسب، بل عن مدينة كاملة تسقط في حفرة مظلمة، وتنادي على القارئ ليتبعها. كأنك تمشي وراء شيء تعرف أنه خطِر، ومع ذلك تواصل السير، لأن النظر إلى الخلف سيكون نوعًا من الجبن. الرواية تبدأ من جسد رجل. هذه أبسط نقطة انطلاق وأكثرها حميمية، ومع ذلك فهي الأكثر اضطرابًا. رامي، المهندس المتعب، يدخل الحمّام بعد يوم مرهق ثم يكتشف على مهل، وبصدمة لا يملك لها اسمًا أن شعر رأسه قد اختفى. مجرد رأس أملس، ناعم، بلا أثر لما كان يومًا علامةً لازمة في المرآة. قد يبدو الأمر تفصيلاً بسيطًا، لكنه في الرواية لحظة تخلخل فيها الأرض تحت قدمي الشخصية، وتحت قدمي القارئ معه. لأن سقوط الشعر هنا ليس مظهرًا خارجيًا، بل هو السطر الأول في انهيار طويل، يشبه الشرخ الذي يبدأ في جدار بيت ولا ينتبه إليه أحد إلا بعد أن ينهار. منذ تلك اللحظة يتسلل الخلل إلى المدينة برمّتها. تتساقط الأصابع، تذبل الأظافر، يتغير الجسد كأنما يعود إلى طور سابق من الوجود. كائنات ضخمة، رجال بأصابع طويلة وشعر كثيف، يملؤون الشوارع دون مقدمات. وتبدأ حياة موازية في التشكل: موتى يعودون داخل البيوت، نساء بأكفان بيضاء يتجولن كما لو كنّ يبحثن عن باب نسيه العالم مفتوحًا. في المقابل، هناك من يعبرون الشوارع مشيًا إلى الوراء، كأنهم ينتكسون إلى زمن لم يعد لأحد قدرة على تسميته. كل ذلك يحدث دون تفسير. وهذه إحدى فضائل الرواية. العالم هنا لا يبرر نفسه؛ هو فقط يقع، كأي مصيبة يومية نراها على الشريط الإخباري ولا يسأل أحد كيف بدأت. الرواية تعيد تعريف الخراب بأنه ليس حدثًا واحدًا، بل «مزاج» يسري في المكان، يُحوّل البشر إلى كائنات متوترة، قلقة، ومتواطئة في الوقت نفسه. وما يلفتني في الرواية أن الكاتب لا يختبئ خلف الرمزية. صحيح أن العمل متخيل، لكنه متخيل من نوع لا ينفصل عن الواقع. كل شخصية، مهما غرقت في الفانتازيا، تحمل في داخلها صوتًا نعرفه: خوف رامي من أن يكون مجرد نسخة معدّلة من رجل آخر؛ رغبة نيڤين في أن تحب خارج ظل الماضي؛ تماسك مريم الذي ليس تماسكًا بقدر ما هو محاولة للبقاء واقفة وسط عاصفة بلا منطق؛ وفاتن التي تبحث عن معنى لما يحدث فلا تجد إلا الموتى وقد اصطفّوا يصفقون لها في غرفة المعيشة. أكثر ما يعلق في الذهن أن الرواية تُحسن اختراع لحظة يكون فيها كل شيء واقفًا على حده. اللحظة التي تكتشف فيها فاتن القاعة المليئة بالموتى، والمرأة الثلاثينية التي تقول لها: «هذه القصة يجب أن تُكتب» هنا يفلت الخط الفاصل بين الحياة والموت، وتصبح المدينة كلها نصًا يريد أن يُدوَّن. وهذا الدور المزدوج، القصة التي تروي نفسها، يجعل الرواية أقرب إلى مرآة كبيرة، كل من يمر أمامها يرى صورته مشوهة قليلاً، لكنه يعرفها رغم ذلك. الرواية لا تطرح سؤالًا عن الجسد فحسب، بل عن الهوية حين تصبح قابلة للانتزاع. حين يرى رامي مريم في الشارع وتقول له الناس إنها رأته يمرّ منذ ساعات، ندرك أن الهوية لم تعد ملكًا لصاحبها؛ صارت رواية تكتبها الجماعة، أو تفرضها السلطة، أو يدّعيها المذياع. حتى الموت نفسه لم يعد حدثًا يخص الفرد، بل أصبح «رواية السلطة» كما سماها الكاتب، حين يُعلن الميكروفون وفاة رامي بعد أن أعادته المدينة إلى الحياة بخصائص جديدة لا يعرف هو نفسه حدودها. ورغم أن العمل مزدحم بالتحولات الجسدية، إلا أنه ليس عن التشوهات بقدر ما هو عن الخلل اللاحق باللغة. يحيى الحافي، نجم الكرة السابق، حين تتلاشى أصابعه، لا يفقد القدرة على الحركات العملية فقط، بل يفقد الكلمات. تصبح اللغة باهتة، تتآكل من ذاكرته كما تتآكل أطرافه. هنا تصل الرواية إلى ذروتها: الإنسان بلا لغة ليس إنسانًا كاملاً، حتى لو ظلّ يحتفظ بقدميه وذراعيه. الجسد وحده لا يكفي. ومع ذلك، لا تتعامل الرواية مع هذا كله بصفتها مأساة خالصة. هناك دوماً لمحة ساخرة، نظرة جانبية، تقول إن كل ما يحدث ربما يكون نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الخيبات. وربما كان هذا ما جعل مشهد النهاية جذابًا ومربكًا في آن واحد: رامي يعود بكامل هيئته، بشعره وأصابعه وابتسامته، يمشي مع مريم تحت ضوء أزرق خافت، بينما تراه المدينة من شرفاتها كأنما يشهد الجميع على ولادة جديدة ليست بالضرورة حقيقية. لحظة تجمع بين الأمل، والسخرية، والشك، وكل المشاعر التي يتركها الخراب حين يهدأ قليلًا دون أن يرحل. في النهاية، «أصل الأنواع» ليست رواية عن التطور كما يتوهم العنوان، بل عن التدهور الذي يسبق أي محاولة للتطور. عن هشاشة البشر حين يصبح الجسد أول من ينهار، والمدينة آخر من يفهم. هي رواية لا تُقرأ مرة واحدة؛ لأنك في كل قراءة ستجد جزءًا منك كان مختبئًا داخل شخصية، أو خلف باب، أو فوق شجرة عيد ميلاد تنتشر على الأرصفة دون سبب. إنها الرواية التي تجعل القارئ يشعر أن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أخرى لمواجهته حين يعجز الواقع عن تفسير نفسه.