على رصيف الذاكرة المنسية.

​لم يكن وداعاً، كان انتحاراً معلناً لعاطفةٍ رفضت أن تشيخ. في تلك الزاوية من المقهى الباريسي الذي تفوح منه رائحة المطر والتبغ المعتق، جلستُ أنتظر رجلاً سرق مني أجمل سنواتي وأهداني في المقابل... علبة ألوانٍ ودفتر مذكرات فارغاً. ​يقولون إن الذاكرة لعنة، وأقول إنها “وطن” نسكنه حين تضيق بنا المنافي. كنتُ أرتدي معطفي الأسود، ذاك الذي شهد أول انكساراتي أمام عينيه، وأضع عطر “نسيان” الذي لم يفلح يوماً في تضليل حنيني إليه. ​دخل المقهى بخطواته الواثقة التي لا تزال تعزف على أرصفة قلبي إيقاعاً قديماً. لم يتغير كثيراً، وحده الشيب الذي غزا صدغيه كان يشي بأن الوقت لم يمرّ علينا وحدنا، بل مرّ “فوقنا”. جلس قبالتي، وبيننا طاولة باردة كبرودة المشاعر التي استهلكناها في حروبنا العبثية. ​“ما زلتِ تكتبين؟” سألني بصوتٍ يشبه صرير الأبواب التي أُغلقت في وجهي ذات يوم. قلتُ له ببرودٍ لا أملكه: “أنا لا أكتب يا سيدي.. أنا أنزف حبراً لكي لا يفيض وجعي فيقتلني. الكتابة هي الطريقة الوحيدة لترميم ما هدمته أنت بكلمة واحدة.” ​كنا في صراعٍ دائم بين “الذاكرة” التي تأبى أن تموت، و**”النسيان”** الذي ندّعيه لننجو. هو يبحث عن نصرٍ جديد في عينيّ، وأنا أبحث عن “أنا” التي ضاعت في زحام وعوده. ​إن الحب في مدننا العربية ليس مجرد شعور، إنه قضية سياسية، ومعركة وجودية، وقصيدة لم يكتمل شطرها الأخير. نحن لا نحب لنفرح، نحب لنختبر قدرتنا على تحمل الفراق. ​أخرجتُ من حقيبتي كتابي الأخير، وضعته أمامه كمن يضع إكليلاً من الزهر على قبر حكاية ماتت. لم أوقّع له، فالإهداءات تليق بالغرباء، أما هو.. فقد كان جزءاً من “المتن”. ​غادرتُ المقهى دون التفاتة واحدة خلفي. فالمطالبة بالالتفات هي استجداء للماضي، وأنا امرأة تعلمت أن تمشي حافية على زجاج الذكريات دون أن تدمي قدميها. تركتُ له المقهى، والذكريات، وفاتورة الحساب.. فلطالما كان هو من يقرر البدايات، ولطالما كان عليّ أنا.. أن أدفع ثمن النهايات *كاتبة وروائية سورية نشرت كتاب لمار والرساله الاخيرة ومخاض الحروف