في فيلم « معركة تلو أخرى» ..

العزف المنفرد.

من المعروف أنه عندما تتحول الرواية إلى فيلم فإنها تفقد الكثير من عناصرها، وذلك لصعوبة تقليص الشخصيات والأحداث، وحتى التعديل والإضافات، حيث إن الفيلم مقتبس من رواية (فاينلاند) الصادرة عام 1990 للكاتب توماس بنشون. إلا أن بداية الفيلم كانت بداية قوية، حيث إن المخرج ابتعد عن المقدمة وآثر أن يجعل الحدث يسبق الشخصية. ولهذا العنصر كان الفيلم ناجحًا في البداية، إذ خطف الأبصار من أول مشهد. فقد كانت المقدمة عبارة عن معركة نارية قادتها البطلة والبطل الرئيسيان، مع تعريف نوع الفيلم وطريقة تصميم المعركة والهجوم المنفذ، وأسباب ورسالة الفيلم على الأقل كانت واضحة منذ اللحظة الأولى. إذ شاهدنا مجموعة تسمّي نفسها ثوار الفرنسي 75 تهاجم مركز المهاجرين المحتجزين وتحررهم في تعبير عن الحرية ومناهضة العنصرية التي تُفرض ضد المهاجرين غير النظاميين والمظلومين، في تعبير عن الإنسانية وطلب الحرية، مما يعرّف نوع الفيلم وأهدافه، وهذا ما لفت انتباه الجمهور. استمر النسق بوتيرة مشوقة وعالية، إلا أنّ إهمال المخرج والكاتب لعرض الشخصيات وخلفياتها أغرق المشاهد في لحظات انفصال وعدم انسجام مع الشخصيات وأبعادها. نستطيع أن نقول إن التعريف بالشخصيات في الفيلم لم تُعطَ مساحة كافية للتحدث عن نفسها ولِيقوم المشاهد بتحليل أفعالها؛ فلم تكن هناك فرصة لفهم الشخصيات أو حتى التعاطف معها من عدمه. حيث الأحداث هي المسيطرة؛ كان الاعتماد والتركيز على الأحداث، مما جعل عنوان الفيلم معبّرًا عن نفسه: (معركة تلو الأخرى). كذلك كانت هناك فجوة – نوعًا ما – في سرد علاقة بوب فيرجانو بابنته المراهقة ويلا. ورغم مرضه العقلي إلا أن علاقتهما كانت جيدة، ولكن كان هناك تقصير في إبراز فترة نضوجهما معًا. وهذه الحلقة المفقودة أثرت على تدرج الأحداث بشكل نمطي وسلبي في النصف الثاني من الفيلم، مما أوحى للمشاهد أن المرحلتين بينهما فراغ؛ حيث إنه لم يتم التركيز على الفترة الثانية، وكذلك لم تُعطَ مساحة لشخصية ابنتهما ويلا بشكل كبير. أعتقد أن الفيلم ظلم نفسه عندما وُضع كفيلم واحد برغم طول مدته، حيث إنه تجاوز 160 دقيقة. وهو ما يُعرف عن الكاتب والمخرج بول توماس أندرسون بأن طريقة سرده للأفلام تستغرق وقتًا طويلًا، إلا أن هذه المرة طول الفيلم لعب دورًا سلبيًا في إيقاعه. لم تشفع قوة انطلاقة الفيلم في البداية للفجوة التي حدثت في منتصفه، إذ إنه في ذروة الأحداث كان هناك سقوط مفاجئ وغير تدريجي للأحداث. فـقوة واندفاع القصة في بدايتها، واختلافها عن وسط الفيلم وآخره بدت غير متجانسة، وكأننا نتحدث عن قصتين مختلفتين، وهذا غالبًا ما يحدث عند تحويل الرواية إلى فيلم. مضمون الفيلم الفيلم يحمل أكثر من رسالة: العنصرية، السلطة، القوة، الملحمة، الصراع، التفكك الأسري، الحب والحرب. من الإيجابيات في الفيلم: الإخراج وبساطة أسلوبه، والإنتاج أيضًا، وعدم التركيز على البهرجة. طريقة اجتماعات مجموعة (عيد الميلاد) التي تمثل جماعة سرية متطرفة من أثرياء أمريكا من حيث طريقة إخراجها المميزة، تشعرك بأنك داخل أمريكا وعلى دراية بما يحدث في كواليس وخبايا السياسة الأمريكية. وقد أدى الممثل شون بين دوره ببراعة في هذا السياق، إذ إن دوره كان مختلفًا عن أي دور سابق أدّاه؛ مختلف شكلًا ومضمونًا. دور العقيد ستيفن جي. لوكجو الضابط العسكري الذي يطارد جماعة “الفرنسي 75” تمثلت قوة أدائه في مدى تخليه عن فكرة القائد والانتماء عن طريق ابتزازه العاطفي وضعفه تجاه شهواته، عندما ابتُز عاطفيًا من بيرفيدا بيفرلي أحد أبرز قادة جماعة (الفرنسي 75) المعادية له ولنظامه. كما أنه ببراعة مطلقة تمثلت في تجسيده لدور الطمع وحبه للنفوذ والغطرسة، حيث آثر التخلي عن ابنته ويلا التي اكتشف أنها ابنته الهجينة من بيرفيدا بيفرلي ذات البشرة السوداء، مما يمنعه من أن يكون أحد أعضاء جماعة (عيد الميلاد) المتطرفة التي تضم مجموعة من القادة المتقاعدين في أمريكا. أحد أهم عناصر النجاح في الفيلم هو العمل الجماعي المتقن والانسجام بين الشخصيات، كتابةً وأداءً. حيث كان أداء الممثلين واقعيًا ومتناسبًا. أبرزهم كان ليوناردو بدور (بوب فيرجانو) فقد ظهر بلون لم نره من قبل، كان ذكيًا جدًا ومتقنًا في أدائه. أما الممثل بينيشيو ديل تورو بدور سيرجيو سانت كارلوس معلّم الكاراتيه، فقد كان إضافة جيدة للفيلم، أعطت نوعًا من روح الفكاهة بطريقة متناسقة من خلال المواقف الطريفة أثناء مواجهة ليوناردو وسيرجيو للحملة ضدهم لإيجاد الفتاة (ويلا) من قبل قوات العقيد ستيفن جي. لوكجو. المميز أن الشخصيات لم تكن موجودة بشكل عشوائي؛ بل لكل منهم دوره. فسيرجيو لم يمثل فقط دور المعلّم الموجه لويلا، بل كان قائد مجتمع المهاجرين غير الموثقين في باكتان كروس، مما منح الشخصية بعدًا آخر وسلط الضوء على قضية المهاجرين غير النظاميين. استمر المخرج والكاتب ببراعة في ربط هذه الأحداث منذ بداية الفيلم وحتى آخره، عندما زج الأب الفعلي بابنته ويلا عبر الحدود مستعينًا بأحد المهرّبين. هذا الخط منح جدية وواقعية وسلط الضوء على أهمية أزمة الهجرة ومدى تفاقمها باختلاف الجنسيات والعصور، وتعامل السلطات معها بطريقة غير إنسانية. حيث استخدم الكاتب إسقاطات لم تكن مباشرة داخل الفيلم، ولكنه عبر عن ترابط هؤلاء المهاجرين بقيادة معلم الكاراتيه، وأشار إليها منذ البداية عبر الشخصيتين الرئيسيتين وهما ليوناردو ديكابريو وتيانا تايلور بدور بيرفيدا بيفرلي. الأمر المبهج هو اكتشاف هذه الموهبة الفذة تشيس إنفينيتي التي أدت دور ويلا فيرجاسون. فقد نجحت في إظهار شخصية الفتاة المراهقة القوية والعنيدة والمحبة لأسرتها. وبرغم صغر حجم المساحة التي أُعطيت لها، إلا أنها استطاعت بإتقان أن تترك علامة في عقول المشاهدين لآخر مشهد، حيث بقيت عالقة في أذهان الكثير ممن شاهدوا الفيلم. وهذا الإتقان لدورها بشكل ملحوظ سيفتح لها أبوابًا وآفاقًا كبيرة في عالم هوليوود. تمنيت لو كانت معركة تلو الأخرى في شكل أجزاء؛ لكان أعطى تفاصيل ومساحات وأضاف الكثير للفيلم. ولكن بشكل عام الفيلم كان يتميز بوجود رسائل قوية، نص جيد، صورة جميلة، وأداء مميز ومختلف ومتقن من الممثلين. وبالرغم من ان السينما الأمريكية بشكل عام تهوي بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة بسبب ضعف الإنتاج وعوامل كثيرة أخرى، منها التركيز على نصوص بعيدة عن الواقعية والإنسانية. في المقابل استطاع هذا الفيلم بطريقة أو أخرى أن يعيد الأفلام الأمريكية للصدارة والمنافسة بقوة، مما يجيب عن تساؤلات كثيرة من المشككين بنجاح الروايات والقصص الإنسانية. فكانت الإجابة عبر “العزف منفردًا” لفيلم (المعركة تلو الأخرى) لتعيد لنا السينما الأمريكية بصورتها التي عهدناها: الصورة الجيدة والعمل الجماعي المنسجم. على أمل ألا تكون هذه المعركة الأخيرة، وفي انتظار المزيد من “معارك تلو الأخرى”.