رواية فيلق الإبل للروائي أحمد السماري هي العمل الروائي الرابع له بعد روايات (الصريم، وقنطرة وابنة ليليت). ومنذ العنوان، يواجه القارئ عتبة دلالية مراوغة. فالعنوان يقدّم نفسه مفتاحًا للنص، لكنه يؤجل معناه، ويجعله رهين القراءة والتأويل. هكذا يتحوّل من تسمية إلى سؤال، ومن لافتة إلى أفق، وهي مقاربة واعية في تقنيات العنوان داخل الرواية الحديثة، وقد وُفِّق الكاتب كثيرًا في اختياره.. نحن أمام عمل روائي متفرد ومتميز ونادر التطرق له. وهذا ما دفعتني بعد قراءة الرواية، إلى التساؤل عن الدافع الذي دفع الكاتب لنفض أتربة الزمان الغابر والموغل في القدم، عن دفاتر التاريخ المنسي في ستائر ودهاليز النسيان، ليقدم لنا أيقونة روائية خالدة. بكل هذا النجاح السردي عبر أحاسيس سردية تخترق السائد والمألوف العادي والباهت في السرد الروائي، والانتقال إلى ضفة عمل روائي سردي نجح فيه السماري بإعادة صياغة التأريخ بشكله الجاف، عبر تكنيك أدبي حداثي بمخيال سردي عذب وجذاب بحرفية عالية وبصبر صياد ماهر في بيداء الروح، بانزياحات عالية الجودة تجنبت كثيرا الترهل والوزن الزائد في جسد هذه الرواية التي جاءت كتحفة فنية لن تنسى أبداً. سنلاحظ ومنذ البداية العمل على التكثيف وهيكلة البنية الروائية الساعية للملمة الأحداث منعا من التشظي: “ قبيل الغروب بساعة، عاد مناور إلى خيمته بعد يوم طويل وقائض قضاه في الصيد بصحبة كلبه الوفي شعيفان، متنقلاً في البراري القريبة من مضارب قبيلته في شمال نجد..”. (ص 7). تقدّم رواية «فيلق الإبل» نفسها بوصفها عملًا ناضجًا في مسارها السردي، حيث تلتقي المعرفة التاريخية بالخيال الأدبي في بناء متماسك، يخرج بالتاريخ من حدوده التوثيقية إلى أفق إنساني وتأملي أرحب. إنها رواية تستدعي الماضي بوصفه ذاكرة، ومادة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف ورغبة البحث. تنطلق الرواية من واقعة تاريخية منسية، تكاد تختصرها لقطة وثائقية، أو شاهد قبر مهمل في صحراء أريزونا. غير أن هذه الشذرة التاريخية تتحول، عبر السرد، إلى طاقة تخييلية واسعة، تُستعاد فيها حقبة كاملة بوصفها تجربة بشرية معقّدة، تتقاطع فيها المصائر، وتتجاور فيها الأسئلة الكبرى: الرحلة، والهوية، والعبور. يمتاز النص بلغة رشيقة ذات نَفَس حكائي واضح، تنأى عن الجفاف الذي يطغى على كثير من الروايات التاريخية، وتحافظ في الوقت ذاته على صدقية الزمان والمكان. هذا التوازن بين الجمالية اللغوية والدقة المعرفية يمنح السرد قدرة على الإقناع والمتعة معًا، ويكشف عن حساسية عالية في التعامل مع المادة التاريخية. من الصفحات الأولى، يبرز الميل إلى التكثيف وإحكام البنية، ولمّ شتات الأحداث دون إخلال بإيقاع السرد. المشهد الافتتاحي الذي يعود فيه “مناور” إلى خيمته قبيل الغروب لا يقدّم حدثًا كبيرًا بقدر ما يهيّئ القارئ لرحلة طويلة، ستتسع رقعتها من شمال نجد إلى تخوم العالم الجديد. تعتمد الرواية مقاربة مختلفة للتاريخ، تقوم على استنطاق التفاصيل الصغيرة، ومنحها قدرة على توليد المعنى. فالتاريخ هنا يُستدعى بوصفه خلفية مرنة، تسمح للشخصيات بأن تتحرك بحرية، وأن تصوغ مصائرها ضمن فضاء سردي متحرر من ثقل الحدث المؤرّخ. يتجلّى هذا المنحى بوضوح في بناء شخصية الحاج علي (العقيلي)، التي تتشكل بوصفها مسارًا إنسانيًا متحوّلًا، يبدأ من نجد، ويمرّ بمحطات عربية متعددة، قبل أن ينتهي في أمريكا. الشخصية تُقدَّم ككائن سردي نابض، بعيدًا عن التصنيم التاريخي، تتراكم طبقاته النفسية والثقافية مع كل انتقال، حاملاً معنى الرحلة ومخاطرها وأسئلتها. وتتكامل هذه الشخصية مع غيرها من الشخوص: الجنرال الأمريكي هايسلوب الذي يجسّد منطق المؤسسة والمنفعة، السيدة “هيلين” التي تفتح أفقًا إنسانيًا خارج صخب الحرب، وشخصيات مناور وسليمان التي تعكس صلابة التجربة الصحراوية وقدرتها على التكيّف في مواجهة المجهول. ويبرز “شعيفان”، الكلب المرافق، بوصفه علامة رمزية عالية الحساسية. حضوره يتجاوز كونه تفصيلًا سرديًا، ليغدو مركزًا عاطفيًا يذكّر بقيمة الوفاء، ويعيد التذكير بعلاقة الإنسان بالكائنات والطبيعة، في عالم تتآكل فيه الروابط الإنسانية. المكان في الرواية عنصر فاعل لا يقل أهمية عن الشخصيات. الصحراء، في تعدد تجلياتها، تتحول إلى فضاء دلالي يُختبر فيه الصبر والاحتمال، وتُعاد فيه صياغة علاقة الإنسان بالأرض. ومع انتقال الأحداث إلى ولايات أمريكية مختلفة، وصولًا إلى صحراء أريزونا، تتكشف المفارقات البيئية والثقافية، دون أن تفقد التجربة وحدتها الداخلية. تُنقل الأمكنة عبر عدسة سردية دقيقة، تلتقط التفاصيل وتحوّلها إلى مشاهد محسوسة، تجعل القارئ شريكًا في الرحلة. مندمجًا في هذا التداخل، تتقاطع ذاكرة القارئ مع ذاكرة النص، ويتحوّل السرد إلى تجربة وجدانية ممتدة. تطرح الرواية سؤالًا جوهريًا حول انتقال القيم الصحراوية: الصبر، الشجاعة، الولاء، المعرفة، إلى فضاء مختلف يخوض حربًا حديثة. هذا اللقاء بين ثقافتين، بعيد عن التصادم، أشبه بمختبرٍ إنساني لفحص عالمية القيم وقدرتها على العبور. في كثير من المقاطع، يتجاور الحدث التاريخي مع التأمل الفلسفي، وتتداخل الوثيقة مع المتخيّل، ليقدّم النص تجربة قرائية تجمع بين لذة السرد وعمق المعرفة. هكذا يتحوّل التاريخ إلى جسر للخيال، وتغدو الواقعة نافذة للتفكير في الإنسان ومصيره. «فيلق الإبل» رواية تفتح أفقًا جديدًا في السرد السعودي والعربي، حين تتعامل مع التراث بوصفه مادة حيّة، قابلة للحوار مع الحاضر والعالم. إنها رواية عن الإنسان العربي وهو يعبر الأزمنة والحدود حاملًا ذاكرته وكرامته، وعن عالم آخر يكتشفه خارج الصور الجاهزة. هذه الرواية أبعد أن تكون وثيقة تاريخية، بقدر أن تقرأ كعمل تأمّلي أدبي حر في لحظة مفصلية، يطرح أسئلة كونية عن الغربة والهوية والذاكرة وقوة الإرادة الإنسانية. إنها تستحق التوقف عندها، والاحتفاء بها، بوصفها إضافة نوعية إلى مشهد السرد العربي المعاصر. وأختم بتحية حارة لمبدعنا المتطور والمتجدد دائمًا، الروائي أحمد السماري (باولو كويلو الرواية السعودية). *كاتب وفنان تشكيلي سوري.