في مجموعة عبد الله النصر (تسونامي - كالغيمة أو أخف عبوراً)..
جماليات اللقطات المتجاورة والمتناقضة والمتآلفة.
هذه مجموعة تضمّ قصصاً قصيرة جداً تتقرّى ظواهر احتماعيّة ونفسيّة عبر المفارقة، وتكثيف الدلالة والسخرية واللمحة الذكية، تزيد على مئة نصٍّ سرديٍّ و خمسة عشر، عناوينها مُختزلة في مفردة واحدة أو مفردتين متضايفتين أومركبتين نعتاً أو إسناداً أو إضافة، بما ينسجم مع طبيعة هذا الفن من اختزال في التعبير واتّساع في التأويل . تتميّز في كثير منها بالمفاجأة التي تكسر أفق التوقّع مُضاعفاً لدى البطل المشارك و القاريء المتلقي، وكذلك الملمح الساخر و المفاجأة الصادمة، كما في قصته الأولى (تودّد) فالحلوى محور القصة التي اشتغل عليها السرد رمزاً للمحبة ومناطاً للمفاجأة الساخرة ، فإذا بالتوقّع يهوي من مستوى الحب الأنثوي إلى سخريتها وإنزال العاشق منزلة القطّة، فالمفارقة تكمن في الموازاة بين سموّ المطلب إلى منحدر التندّر بما يوميء إلى توجّه واضح في المجموعة يتعلق بمفارقات العلاقة بين الرجل و المرأة. وفي قصة أخرى تتبدّى المفارقة التي تقع بين الحقيقة و الخيال ، بين حلم متخيّل وحقيقة ساطعة، وتجاوزِ حالم وطمأنينة يتمخّض عنها التخييل الذاتي علاجاً للحظة التأزُّم و تجاوزاً لها؛ حيث البطل الذي يتخيّل البدر رغيفاً و الهلال موزاً في قصة (رغم الحرمان) موحياً بالقدرة على مغالبة الجوع و الحرمان. وفي قصة عقوق تتجلّى طبائع نماذج من البشر لا يقيمون للانتماء وزناً؛ فالوطن عندهم حيث تكون المصلحة فتتمحوَر القصة في حدّها السرديّ الأدنى متمثلاً في شكل خبر أشبه بالمانشيت الصحفي ،وتعليقٍ خاطفٍ يقتنص المغزى اقتناصاً و يختزله اختزالا، وفي قصة البديل يبدو المغزى واضحاً عارياً في حواريّة مُختزَلة بين اثنين تأخذ فيه المفارقة شكل الكوميديا السوداء: الهوى والواجب وتطويع الوقائع للرغبات على حساب القيم في (دهشة الشياطين) لجأ الكاتب إلى تقنية اللقطة التي تُستَلُّ من الواقع كما يتخيّله الكاتب في رؤية انتقادية برهانية، كما لوكانت تمثيلاً لاختراق القيم والتقاط الشقوق التي تخدش وجه المجتمع، والمسكوت عنه من تصرفات، وقد بدا واضحاً أن البناء الدائري الذي تبيّن بعد استكمال القصة في الصفحة التالية باستحضاره للشيطان طرفاً فيها قد انطوت على بعد فانتازي كثّف الدلالة و عمّق الإحساس بالصدمة. ومن الواضح أن من الملامح التي تتعلّق برؤية الكاتب التقاطُه لمشاهدة صادمةٍ منتزَعةٍ من الواقع الاجتماعي تبدو فيها المفارقة ساطعة ومتجاوزة للمألوف في الثقافة الاجتماعية، أو مؤكّدة لعمقها كما نرى في قصته (عفن) حيث الإكراهات الاجتماعية التي تبدو واجباً، والوفاء حتى لمن لا يستحق لكونه أباً أو كبيراً. ولعل ثمة ما يمكن أن يحفر في أغوار النفس البشريّة و ينقّب في لاوعيِها ليستكشف سلطان الشهوة وغلبة الغريزة ،فيرتدُّ إلى لحظة التحوّل التي تفضح التناقض الكامن بين الوعي و اللاوعي، فضلاً عن الانقلابات المفاجئة في الرغبات و الأمزجة؛ فكلُّ ممنوعٍ مرغوب، وكل مُبتَذَل مكروه، كما في قصته (تفضيل) فمن الرغبة المغتصبة إلى العزوف الذميم . وقد بدا واضحاً أن الكاتب - عبر نصوصه المختزلة - يتتبع ما هو مسكوت عنه منطوياً تحت غلاف ظاهر يخفي رغبات مكتوبة، متجاوزاً الظاهر الذي يترك انطباعاً مناقضاً لحقائق النفس البشريّة كاشفاً عن الطبائع المتوارية خلف غلالات رقيقة في الظاهر، فالأنثى - وإن بدت في مظهرها كريهة - تجعل منها الشهوة الجسديّة مُبتغىً و مُراداً في مفارقة بين الظاهر و الباطن، كما في قصته (ميت آخر) وفي هذا الاتجاه تفضي بعض قصصه في نزعة ساخرة كما في قصته (محتسب) حيث يقتنص بعين ناقدة مشهداً ينطوي على شيء من السخرية التي تنبش في الأغوار السحيقة ، وعلى التخوم الفاصلة بين وعيٍ يَقِظٍ ولاوعيٍ رابض في الأعماق؛ ففي الوقت الذي يبدو فيه المحتسب واعظاً في الظاهر تقتنص نظراته ملامح الأنوثة في الذاهبات و الغاديات، فيجمع بين مفارقةٍ بين الظاهر و الباطن، وتبدو الصورة التي يقدمها ذات ملامح دقيقة مُلتقطَة بتفاصيلها من صميم الواقع، يصفها فيما يشبه البورتريه الذي عادة ما تدلّ فيه اللوحة على تقاسيم تنبيء عن باطن الشخصية و سماتها النفسية، فاتكاء المحتسب ممثلا في الشيخ ذي اللحية الطويلة الكثّة على عصاه وهو يلهج بعبارته الوعظيّة تبدو عيونه مشدودةً إلى مايراه من مفاتن أنثويّة يشبع فيه نزواته الدفينة. وفي جماليات الاختزال وحشد الفجوات ورمزيّة الصورة يأخذ السرد إيقاعاً متسارعاً والحوار تعابير مُضمرة و رغبات مكبوتة والبراءة مغزىً حيّاً كما في قصة (مراد) الطفلة والرغبة و الخلاص ثلاثية يلخّصها مشهد الطفلة الطامحة لرؤية الأب وعبارة المواساة وطلقة الغدر التي فيها الخلاص وهي توجزمأساة قابلة للتعيين و التجريد على حد سواء. في ذات الاتجاه تأتي قصة (مكافأة) لتخترق زاوية أخرى من زوايا الكهوف المغمورة في اللاوعي، ثم تتصدّر الوعي وتسارع إلى مبتغاها حين تلوح بارقة أمل استجابة للوحش الرابض في الأعماق دون التفات إلى الأنا العليا التي تحدّث عنها فرويد، وهذه اللقطة تنسجم مع ما سبقت الإشارة إليه من مفارقة بين السّطح و العمق، حيث تشابكت وتقاطعت الرغبات على صفحات الذات ومدركات الرغبة وصراع القيم. وتتبدّى في المجموعة منظومة من القصص التي يمضي في تشكيلها عبر تقنية اللقطة فيصوّر في قصته (مواجهة) نمطاً من أنماط السلوك الغريزي الذي يمسك بتلابيب الذات و يستولي على كافة مداركها فيما يتصل بالعلاقة بين الرجل و المرأة، حيث تغيب كل المدركات عدا رغبته في التواصل مع أنثاه فتتبدّى له ذاته شبحاً هزيلاً بلامعنى، وتفقده السيطرة على ذاته واكتشاف تفاهة تلك الذات. غير أن هذا الجانب الحسّي الذي ينسجم مع نظرية فرويد عن تَسَيُّد الجنس لمختلف أنماط السلوك في الوعي و اللاوعي ليس وحده من يعمد الكاتب إلى تسليط الضوء عليه؛ بل يظلُّ ثمة مساحة للبعد الوجداني في سلوك نماذجه الاجتماعية في لقطاته الحيّة، كما في قصته ( إفحام) وما انطوت عليه من رمزيّة في صورة عقربَي الساعة و التقائهما تعبيراً عن علاقة وجدانيّة بين الرجل و المرأة في سياقات مضمرة يمكن تأويلها وفق أفق الانتظار كما في نظرية التلقّي . وكذلك في قصة (إنصاف) التي يبوح فيها العاشق بحب فتاته بجنون فتجيبه بأنها لا تستحقُّ ذلك لأنها لم تكافئه بمثل مشاعره. وثمة سرديّات حواريّة تتمثّل في مشهدٍ مسرحِي وعبارات محتشدة بالمعنى في لمحة تأويليّة ساطعة الدلالة لما تحمله مفرداتها من معانٍ بعيدة كما في قصته (مقابلة شخصيّة) ففي الدعاء لمن قابلوه دلالة ثقافيّة تدلّ على انتماءات غير مرغوبة، فقد قدّموا له الماء فدعا لهم دعوةً ذات إشارة إلى انتماءٍ معيّن فكان الرفض. وقد استغرق الكاتب نصوصه في تسليط الضوء تلميحاً أقرب إلى التصريح في تقصّي طبائع البشر عبر نماذج اجتماعيّة مألوفة من خلالل مفارقة الأساليب و الثقافة و الصراع بين مستويات الوعي و نبض القيم؛ بعضها يبدو مألوفاً ولكنه يتبدّى في شكل اكتشافات لبعض الكهوف المنزوية في النفوس، تظهر في السلوك البشري الذي يبدو تلقائيّاً بينما جذوره تتغلغل في البنية النفسية. من ذلك ما تصوره قصته ( ضمان) حيث العجز عن الإفصاح عن أغوار الذات في بنيتيْها السطحيّة و العميقة في لقطتين متناقضتين: الأولى تدل على الفهم (فهم الذات بعمق) والثانية تصوّر العجز عن التعبير ؛ ففي الوقت الذي يخلو فيها النموذج لذاته و يتفهم أسرارها محاولاً إخفاء تلك الأسرار و إبداء الوجه الذي يرتضيه الآخرون يُقطع لسانه في ثنائيّة فاضحة تُذكّرنا بما جاء في بيت الشعر المشهور: ومهما تكن عند امريء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم ولعل من النصوص التي تكشف عن اهتمام الكاتب بالبعد السيكولوجي في قصصه قصة (بما كسب) التي تصور لحظة من اللحظات التي تسلط الضوء على ما تخّلفه الإعاقة من مُركّب النقص و دراما الصراع الداخلي والسلوك عبر ردّات الفعل الخارجة عن السيطرة في لحظات الذروة من الانفعالات بعيداً عن السيطرة . في اختراق لمألوفيّة المشهد وتحويله إلى جماليات الفن يعمد الكاتب إلى الجمع بين ثلاثيّة العناصر التي تصنع سياقاً فنّياً تتراسل فيه المؤثرات لتفضي إلى انطباع يتجاوز الفكرة إلى الرؤيا في تشكُّلها عبر التأويل : الطفل الذي بيده الحلوى و المطر الذي يربك متعة الطفل بها، والسيارات التي يضطرب معها المشهد كله، في سطور قليلة يجمع الكاتب بين الطفولة عنصراً بشرياً و المطر عنصراً كونيّاً والسيارات وسطا احتماعيّاً لتعبّر عن الأزمة التي تتجمّع في وجدان الطفل وأولويّاته الفطرية على التعليم مختزلاً كل الأنساق المحيطة في قصته (ذوبان) وفي منحى آخر يتجه الكاتب إلى اختزال المسافة بين الأجيال في عيّنات من السلوك يفضي بها شهود ينتمون إلى جيلين مختلفين ليعبر عن المسافة الشاسعة بين طريقة التفكير التي أحدثتها التكنولوجيا بين الأجيال،موضّحاً أن البعد الروحي المتصل بالعقيدة كان الغالب على الجيل السابق؛ حيث اللجوء في الأزمات إلى الدعاء عند الجيل الأول ، و اعتماد على الاتصال عبر الجوالات (التكنولوجيا) لدى هذا الجيل في قصته (هم مختلفون). ولم يتوانَ الكاتب في هذه المجموعة عن بلورة نماذج تربوية في إطار ما يعرّفونه ب(البيداغوجيا) العلم المتعلق بأساليب التعلم فيلجأ إلى أسلوبه البارز في هذه المجموعة الذي يعتمد فيها على تقنية اللقطات المتجاورة أو المتناقضة أو المتآلفة، فيترك انطباعاً تلقائياً عن الأسلوب الأمثل في السلوك فالأم في المشهد الأول تزرع في نفس طفلها الرغبة في انتقام فتدعوه إلى ردّ الاعتداء بمثله، و في اللقطة الثانية تهدّيء الأم من روْع طفلها وتلتمس طريق التسامح والمصالحة كما في قصة (والدات) وفي ذات المسار التربوي تتوالى المشاهد التي توجّه السلوك عبر شواهد ملتقطة في صور تبيِّن مغبّة إنكار الذات والتضحية من أجل الآخرين ضمن سياق المشاهد المتماثلة المتتالية، التي تؤكد منهجاً إيجابيّاً في السلوك على الرغم مما يصيب الذات المُضحِّية بالساق لإنقاذ من تعرّض للحادث ، وبالذراع للطفل الذي هوى من علٍ ، وبالحياة من أجل إنقاذ المصلين من هَوَس المتطرفين، نحو يكشف عن هندسة المتواليات المتآزرة في بناء القصة. ومهما يكن من أمر فإن لهذه المجموعة ميزاتها الخاصة فيما انطوت عليه من توجّه نحو سبر أغوار لحظات كاشفة تبدو مألوفة ؛ ولكنها تحمل دلالات قابلة للتوسّع في تأويلها وتسليط الضوء عليها عبر التقاط مواقف التوتّر و التأزّم والكشف عن المسكوت عنه في العلاقات و السلوك والمشاعر.