البحث العلمي..وصناعة الأثر.

بات العالم لا يُدار بالقوة الصلبة وحدها، بل بالقوى الناعمة أيضًا، حيث نلحظ اليوم تسابقًا سريعًا، وتنافسًا حادًا بين الدول على المعرفة، لا يقلّ حدة عن سباقات النفوذ الجيوسياسي أو التنافس في المجال الاقتصادي. وقد كان البحث العلمي دائمًا جزءً من تقدم البشرية، ابتداءً بجذوره الفلسفية في الحضارات القديمة، وانتهاءً بالتطور الهائل في العصر الحديث. العصور الإسلامية المبكرة قدّمت نماذج علمية رائعة، كالرازي، وابن الهيثم، والخوارزمي، وابن حيان. ثم جاءت الثورة العلمية الأوروبية، لتُرسِّخ منهج الملاحظة والفرضيات والتحقق، وهو ما أصبح لاحقًا الأساس الذي تُبنى عليه اقتصادات العلم والمعرفة في العصر الحديث. يُقَدَّر عدد الكراسي العلمية في الجامعات السعودية بحوالي (250) كرسي. وخلال الفترة من 2018إلى2021م، نشرت الجامعات السعودية أكثر من (150) ألف بحث علمي في مجالات علمية ونظرية متعددة. لكن المعلومات المتداولة تُجادل حول حجم الفجوة بين ما يُنفق على البحث العلمي وبين كفاءة هذا الإنفاق، وتشير “الهيئة العامة للإحصاء” إلى أن الجهات الحكومية أنفقت في عام 2024م نحو (12) مليار ريال على دراسات استشارية، أُجري جزءٌ كبير منها بواسطة جهات استشارية محلية وخارجية، بينما أنفق قطاع التعليم العالي في نفس العام على الأبحاث نحو (5.62) مليار ريال وهذا يرتّب مفارقة لافتة. حيث تُمَوِّل الحكومة الجامعات لإنتاج المعرفة، وفي نفس الوقت تستعين بعض الجهات الحكومية بجهات استشارية أخرى للحصول على المعرفة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُلاحظ أن الجامعات في “المملكة” تعمل بمعزلٍ عن بعضها البعض، وكأنها أرخبيلٌ معرفيٌّ متناثر، تفصل بين مكوّناته مسافات مؤسسية أكثر مما تجمعها رؤية وطنية مشتركة. من هنا تتأكد مسؤولية “هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار” نحو ضبط جودة البحوث والدراسات، وتوجيهها، وتحديد أولوياتها، وتقييم أثرها، وربطها بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للدولة، عبر كفاءات مؤهلة، وبالاستعانة بلجان علمية مستقلة، وخبراء متخصصين في تقييم الجدوى والأثر. وذلك على غرار تجربة “المؤسسة الوطنية للعلوم National Science Foundation - NSF الأمريكية” و “وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية MOST” الجهة العليا التي تضع السياسات البحثية، وتحدد الأولويات الوطنية (الذكاء الاصطناعي، الطاقة، الفضاء.. الخ) وتنسّق بين الجامعات وقطاع الصناعة والقطاع العسكري. كما أقترح أن تتوفر موافقة “هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار” قبل منح أي من الباحثين في الجامعات السعودية، إجازة للتفرغ العلمي، وذلك لحوكمة هذه الإجازات، وترشيدها، والتأكد من أنَّ البحوثَ والدراساتِ التي تتم أثناءها تُسْهِم بتحقيق الحاجات الوطنية المشار إليها آنفًا. وألَّا يكون التفرغ العلمي بأعبائه المالية العالية حقًا مكتسبًا للأكاديمي. كل ذلك كي يتحول البحث العلمي من مجهودات فردية ومبادرات متفرقة، إلى قوة معرفية وطنية دافعة ومنظمة، وقادرة على صنع الفرق في الاقتصاد والتنمية. لتجعل المملكة لاعبًا أساسيًا في اقتصاد العلم والمعرفة. وبذلك نطمئن إلى أن كل ريال يُصرف على كل بحث يخدم أولوية وطنية واضحة. إن الأرقام والمعطيات آنفة الذكر هي مؤشرات تؤكد ضرورة توسيع دور “هيئة تنمية البحث العلمي والتطوير والابتكار” لبناء اقتصاد معرفي قوي، وضمان فاعلية الإنفاق، وسدّ الفجوة بين العرض المعرفي واحتياجات التنمية الوطنية، لاسيما أن “المملكة” تمتلك موارد مالية كبيرة، وبنية أكاديمية قوية، ونخبة من الباحثين المتميزين. وفي الختام، أود التأكيد على أن تفعيل دور “هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار” هو ضرورة استراتيجية مُلِحَّة ٌلحوكمة المعرفة المُنْتَجة في الوطن، وضمان جودتها العالية، لتكون ذات أثر إيجابي على التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية بوجه عام، وعلى صناعة القرار بصفة خاصة، وليس لغرض الترقيات العلمية فقط. فالدول المتقدمة لديها برامج وطنية واضحة ومحددة للأبحاث، تحدد ما هو مهم لقطاعات التنمية، ونحو ذلك من المجالات الحيوية ذات الأولوية في جميع مناحِِِ الحياة. فالعبرة ليست بعدد الأبحاث العلمية، بل بقدرتها على صناعة الأثر.