ممكن السعودية .. مستحيل الآخرين.
ليست العبارة هنا مفاضلةً لغويةً، ولا نشوةَ ثقةٍ عابرةً، بل توصيفاً دقيقاً لمسارٍ تاريخيٍّ تشكّل تحت ضغطٍ عالٍ من التحديات، و خرج متماسكاً لأن الفكرة التي قادته لم تكن ردّةَ فعلٍ، بل رؤيةَ دولةٍ تعرف ما تريد، و متى تتحرّك، و كيف تُنهي المسارات قبل أن تتحوّل إلى أزماتٍ. السعودية اليوم لا تقول «نستطيع» على سبيل التمني، بل تقول «نفعل» لأن القرار لم يعد أسيرَ التوازنات الهشّة، و لا رهينةَ التوقيت الخاطئ. الفارق الجوهري بين «ممكن السعودية» و«مستحيل الآخرين» ليس في الموارد، و لا في الجغرافيا، و لا حتى في الظروف الدولية. الفارق في العقل الذي يدير الدولة. عقلٌ لا يرى الزمن كعدوٍّ، و لا يتعامل مع الواقع كقدرٍ جامدٍ، بل كمساحةٍ قابلةٍ لإعادة الصياغة. هنا تظهر قيمة الفكرة قبل المنجز، و المنهج قبل العنوان، و القرار قبل الضجيج. في قلب هذا التحوّل يقف عرّابه، الأمير محمد بن سلمان، لا بوصفه اسماً يتصدّر المشهد، بل باعتباره صاحبَ منهجٍ أعاد تعريف دور الدولة في زمنٍ يتآكل فيه المعنى السياسي لدى كثيرين. منهجه لم يكن قفزةً في الفراغ، و لا قطيعةً مع الجذور، بل قراءةً عميقةً لتاريخ الدولة السعودية، و استدعاءً ذكياً لروحها الأولى: الحسم حين يلزم، و البناء حين يحين، و الهدوء حين يكون الهدوء أقوى من الصخب. «ممكن السعودية» لأن القرار فيها لم يعد رديفاً للخوف من الخطأ، بل أداةً لإدارة المخاطر. و لأن الدولة لم تنتظر إجماعاً خارجياً يمنحها الإذن، بل صنعت إجماعها الداخلي أولاً، ثم تفاوضت مع العالم من موقع الوضوح. في عالمٍ يضيع بين الشعارات، اختارت السعودية لغةَ النتائج، لا لتُرضي أحداً، بل لتُثبت لنفسها أن السيادة لا تُعلن، بل تُمارس. الآخرون كثيرون، لكن «مستحيل الآخرين» ليس حكماً أخلاقياً، بل توصيفٌ لحالةِ عجزٍ بنيويٍّ. دولٌ تمتلك الإمكانات، و لكنها تفتقد الشجاعة في اتخاذ القرار. أنظمةٌ تُحسن الخطاب، و لكنها تخشى التنفيذ. قياداتٌ تُجيد إدارة الصورة، و لكنها تتردد أمام الجوهر. هنا يصبح المستحيل نتيجةً طبيعيةً، لأن من لا يملك الجرأة على إعادة تعريف نفسه، لن يملك القدرة على تغيير واقعه. السعودية فعلت ذلك لأنها قررت أن تنتقل من إدارة اللحظة إلى صناعة المسار. لم تعد تسأل: كيف نُرضي الجميع؟ بل: كيف نحمي مصالحنا ونبني مستقبلنا؟ هذا التحوّل الذهني هو ما صنع الفارق، و هو ما جعل الممكن يتكاثر، بينما يتقلّص المستحيل خارج حدودها. في التجربة السعودية الراهنة، لا يُختزل النجاح في مشروعٍ، و لا يُقاس بإنجازٍ واحدٍ، بل في قدرة الدولة على العمل المتزامن: إصلاحٌ داخليٌّ عميقٌ، و حضورٌ خارجيٌّ محسوبٌ، وبناءُ ثقةٍ مجتمعيةٍ تقوم على الشراكة لا الوصاية. هذه المعادلة الدقيقة لا تنجح إلا حين تتوافر قيادةٌ تعرف متى تُسرّع، و متى تُبطئ، و متى تُغيّر المسار دون أن تفقد الاتجاه. الأمير محمد بن سلمان لم يقدّم نفسه كمنقذٍ أسطوري، بل كقائدِ دولةٍ يعمل بمنطق المؤسسة، ويعيد توزيع الأدوار، و يُحمّل الجميع مسؤولية النجاح. هذه ليست كاريزما فردٍ، بل صرامةُ مشروعٍ. لذلك، حين تُخطئ الدولة، تُصحّح. و حين تتعثر، تتعلّم. وحين تنجح، تُراكم. هكذا تُدار الدول التي تعرف أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. «ممكن السعودية» لأنها فهمت أن السيادة في هذا العصر لا تعني الانغلاق، بل القدرة على الانفتاح دون التفريط. و أن الاستقلال لا يعني القطيعة، بل الشراكة من موقع الندّية. و أن الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل عقداً أخلاقياً بين الدولة و مواطنيها. أما «مستحيل الآخرين»، فسيبقى كذلك ما دام القرار مؤجَّلاً، و الرؤية مُجزّأةً، و القيادة أسيرةَ حساباتٍ قصيرةِ النفس. التاريخ لا يرحم المترددين، و لا يكافئ من يكتفي بالمراقبة. و السعودية، بما اختارته من مسارٍ، قالت كلمتها بوضوح: ما نراه ممكناً، نُحقّقه. و ما يعجز عنه غيرنا، ليس عيباً في العالم، بل في طريقة التفكير. هكذا تُكتب الفوارق الكبرى. لا بالضجيج، بل بالفعل. ولا بالمقارنة، بل بالنتائج. وممكن السعودية، اليوم، ليس استثناءً عابراً، بل قاعدةَ دولةٍ قررت أن تكون حيث تريد، لا حيث يُسمح لها.