من المثقف إلى المؤثر..

من يملك سلطة المعنى في زمن الخوارزميات؟

لم تعد السلطة الثقافية حكرًا على المثقف التقليدي؛ الكاتب، الناقد، الأكاديمي، أو الصحفي المتخصص. لقد انتقلت مركزية التأثير اليوم إلى فضاء رقمي تحكمه الخوارزميات، حيث بات المؤثر الرقمي أكثر قدرة على تشكيل الذائقة العامة وصناعة الرأي من المؤسسات الثقافية الراسخة. هذا التحول لا يمثل مجرد تغير في أدوات التعبير، بل يعكس انقلابًا عميقًا في بنية السلطة الرمزية ذاتها. تاريخيًا، كان المثقف يُنظر إليه باعتباره الوسيط بين المعرفة والمجتمع، وصاحب الدور التنويري الذي يطرح الأسئلة الكبرى ويزعزع البداهات. غير أن صعود المنصات الرقمية أنتج نموذجًا جديدًا للفاعل الثقافي: المؤثر، الذي يقيس نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة، وبكمّ التفاعل لا بجودة المعنى. في هذا السياق، لم تعد القيمة الثقافية تُبنى عبر التراكم المعرفي، بل عبر القدرة على جذب الانتباه داخل اقتصاد رقمي قائم على المنافسة الشرسة على الزمن الذهني للجمهور. الخوارزميات، التي يفترض أنها أدوات محايدة لتنظيم المحتوى، أصبحت فاعلًا ثقافيًا خفيًا يعيد تشكيل وعينا دون أن نشعر. فهي تحدد ما نراه، وما نقرأه، وما نتجاهله، وتكافئ المحتوى القابل للاستهلاك السريع على حساب الخطاب المعقّد أو النقدي. وهكذا، تتحول الثقافة إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق، حيث ينتصر السهل والمباشر والمثير، بينما يُهمّش المركب والمتأني والتفكيري. هذا التحول يطرح سؤالًا مركزيًا: هل ما نشهده هو تحرر ثقافي ديمقراطي يتيح للجميع التعبير، أم فوضى معرفية تُفرغ الثقافة من مضمونها النقدي؟ صحيح أن المنصات الرقمية كسرت احتكار النخبة لإنتاج الخطاب، لكنها في المقابل أسست لنمط جديد من الهيمنة، أقل وضوحًا وأكثر خطورة، يتمثل في سيطرة الخوارزميات على تدفق الأفكار. وهنا، لا يعود الصراع بين المثقف والمؤثر، بل بين الإنسان والمنظومة التقنية التي تعيد هندسة الوعي الجمعي. المثقف العربي، في هذا المشهد، يقف عند مفترق طرق. فإما أن ينخرط في الفضاء الرقمي محافظًا على عمقه النقدي، أو ينسحب إلى الهامش متمسكًا بنقائه المعرفي المزعوم. غير أن الانسحاب لا يبدو خيارًا أخلاقيًا بقدر ما هو هروب من معركة التأثير. فالمثقف الذي يرفض أدوات العصر يفقد تلقائيًا قدرته على مخاطبة جمهوره، ويترك الساحة لمن يختزلون المعرفة في محتوى سريع الاستهلاك. لكن المشكلة لا تكمن فقط في تراجع المثقف، بل في انزلاق الثقافة ذاتها نحو منطق الاستعراض. لقد تحوّلت المعرفة إلى “ترند”، والفكر إلى “مقطع”، والتحليل إلى “خلاصة في ثلاثين ثانية”. هذا التسطيح لا ينتج وعيًا، بل يعمّق هشاشة الإدراك، ويعيد تشكيل الإنسان بوصفه كائنًا استهلاكيًا لا تفكيريًا. السؤال الأهم إذًا: من يملك سلطة المعنى اليوم؟ الظاهر أن المؤثر يتصدر المشهد، لكن الحقيقة أن الخوارزميات هي اللاعب الأكثر نفوذًا. إنها تحدد ما يُرفع، وما يُدفن، وما يتحول إلى رأي عام. وفي ظل هذا الواقع، يصبح التحدي الحقيقي أمام المثقف هو استعادة دوره لا عبر مقاومة التكنولوجيا، بل عبر تفكيك منطقها وكشف آلياتها الخفية. نحن أمام معركة على المعنى، لا على الشهرة. وعلى المثقف العربي أن يدرك أن استعادة تأثيره تمرّ عبر الجرأة النقدية، لا عبر التكيف السطحي. فالثقافة التي لا تُزعج، لا تغيّر. والمعرفة التي لا تُقلق، لا تحرّر.