في ندوة الطاولة المستديرة لمركز الخليج للأبحاث..
د. سعد البازعي: أزمتنا تتقاطع مع الغرب.. واستقلال الذكاء الاصطناعي ينذر بكوارث قادمة.
شهد مركز الخليج للأبحاث في الرياض، مساء أمس الثلاثاء، ندوة فكرية موسعة ضمن سلسلة «الطاولة المستديرة»، حملت عنوان «التأزّم في تاريخ الحضارة الغربية»، وناقشت مظاهر الأزمة التي تعيشها الحضارة الغربية المعاصرة، وانعكاساتها الفلسفية والثقافية والمعرفية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين. واستُهلت الندوة التي قدمها المذيع عبدالعزيز العيد، بكلمتين ترحيبيتين من الدكتور عبدالعزيز بن صقر مدير مركز الخليج للأبحاث والدكتور زيد الفضيل مدير البرنامج الثقافي والاعلامي بالمركز، ثم قدم الدكتور سعد البازعي قراءة تحليلية معمّقة لجذور الأزمة الغربية، انطلاقا من موضوع أزمات التدين الاوروبي في العصور الوسطى وعصر النهضة، ثم أزمة التنوير في القرن الثامن عشر، وصولا الى أزمات الدين في العصر الحديث، معتبرا أن جزءا من الأزمة الغربية هي أزمتنا أيضا. وحذر البازعي من أزمة مرتقبة في “الذكاء الاصطناعي” وأنها ستبدأ في اللحظة التي يبدأ فيها هذا الذكاء بالاستقلال، ماسيتسبب في نشوء أمراض وجوائح وأزمات في الاقتصاد وأسواق المال. مطالبا بوضع قوانين تمنع من نشوء مثل هذه الأزمات. وفي الندوة رصد البازعي التحول التاريخي المفصلي الذي شهده العالم مع نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات، معتبرًا أن عام 1990 شكّل لحظة انكشاف كبرى، سقطت فيها الأيديولوجيات المنافسة، وبدأ الغرب يواجه ذاته من دون «عدو فكري» خارجي، ما أدى إلى تآكل اليقين، واضطراب القيم المشتركة، وصعود الشك في السرديات التأسيسية التي قامت عليها الحداثة الغربية. ولفت إلى أن الغرب، رغم تفوقه الأداتي والتقني الهائل، يعاني اليوم عجزًا متزايدًا عن إنتاج المعنى، وأن العقل الذي بشّرت به الحداثة بوصفه أداة للتحرر، تحوّل تدريجيًا إلى عقل وظيفي أداتي، يُستخدم للضبط والتنظيم والسيطرة. واستشهد في هذا السياق بعدد من المفكرين الغربيين الذين أقروا بوجود أزمة حقيقية في الحضارة الغربية، مقابل نماذج أخرى تحاول إعادة الاعتبار للدين بوصفه أفقًا معقولًا للمعنى داخل العالم الحديث. وفي المداخلة الأولى، قدّم السفير الدكتور الصادق الفقيه قراءة تاريخية معمّقة لأزمة الفكر الغربي، مستعيدًا المناخ الفكري الذي ساد أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات، حين تكاثرت الكتابات التي أعلنت «نهاية» الأيديولوجيا، و«نهاية» التاريخ، و«نهاية» السرديات الكبرى. وأشار إلى أعمال مفكرين مثل دانيال بيل، وفرانسيس فوكوياما، وآلان بلوم، ورسل جاكوبي، الذين رصدوا ما اعتبروه انغلاقًا للعقل الغربي، وتراجعًا لدور الجامعات بوصفها حواضن لإنتاج المعرفة الحرة. وأكد الفقيه أن الغرب، بعد انهيار خصمه الأيديولوجي الشرقي، لم يعد مضطرًا إلى التفكير الدفاعي، ما أفضى إلى حالة من الكسل الفكري، وهيمنة النزعة الاستهلاكية، وتآكل القيم المشتركة، وصولًا إلى التشكيك في مفاهيم العدالة، والحرية، والقانون الدولي، التي طالما قُدّمت بوصفها منجزات كونية للحداثة الغربية. أما الدكتور مصطفى المرابط، فقد قدّم مداخلة اتسمت بحذر معرفي واضح، ركّز فيها على شروط التفكير في أزمة الغرب من داخل السياق العربي والإسلامي. واعتبر أن الغرب والحداثة ليسا «موضوعين خارجيين» يمكن دراستهما من مسافة محايدة، لأننا نفكر فيهما – إلى حد كبير – بأدواته ومفاهيمه ولغته. ودعا إلى التواضع المعرفي بوصفه شرطًا إبستمولوجيًا، لا مجرد فضيلة أخلاقية. وأوضح المرابط أن إحدى أعمق مظاهر التأرّم الغربي تكمن في عجز الغرب نفسه عن تعريف ذاته تعريفًا جامعًا، لا ثقافيًا ولا رمزيًا، مميزًا بين «الغرب في ذاته» و«الغرب لذاته»، ومشيرًا إلى أننا أمام حضارة بلغت ذروة التفوق الأداتي، في مقابل تآكل متسارع في معناها الرمزي والأخلاقي. وفي تعقيبه، شدد الدكتور سعد البازعي على وعيه بإشكالية التحيز في دراسة موضوع بهذا الحجم والتعقيد، مؤكدًا أن «الموضوعية الخالصة وهم كبير»، وأن ما يمكن السعي إليه هو رفع مستوى الاحتراز المنهجي، وتخفيف ثقل الأيديولوجيا عبر الاستناد إلى الشواهد والنقاشات الداخلية في الفكر الغربي نفسه. وأشار إلى أن كتابه المرتقب عن أزمة الحضارة لا يدّعي الإحاطة بالموضوع، بل يتوقف عند لحظات ومحطات محددة، مع إقرار واعٍ بوجود مساحات واسعة لم تُتناول. واختُتمت الندوة بمداخلات مفتوحة من الحضور شارك فيها كل من د. مرزوق بن تنباك، د. زياد الدريس،عبدالله الحسني، د. عبدالله العمري، د. أسامة يوسف، د. أمل التميمي، عبدالرحمن يحيى، ورائد الحميد.