بنى مستشفى لأبناء قريته..

ساديو ماني.. اللاعب المتطوع الأول في مركز الملك سلمان.

لعب النجم السنغالي سايو ماني دور البطولة في كأس أمم أفريقيا الأخيرة التي استضافتها المغرب في شهر يناير من العام الجاري 2026، حيث قاد منتخب بلاده للفوز باللقب للمرة الثانية في تاريخه، وتلقى إشادات واسعة بسبب حكمته وتعامله المثالي خلال الأحداث المثيرة التي شهدتها المباراة النهائية أمام منتخب البلد المضيف. نال ماني، نجم نادي النصر السعودي، البالغ من العمر 33 عامًا، احترامًا واسعًا بعد أن أقنع زملاءه المستائين بإكمال المباراة أمام المغرب، وذلك بعد أن أمرهم مدربهم «بابي بونا ثياو» بالخروج من أرض الملعب احتجاجًا على احتساب ركلة جزاء ضدهم في الوقت المحتسب بدل الضائع. وسادت أحداث مثيرة عقب إعلان الحكم ركلة الجزاء، لكن ماني تحدث مع المدرب الفرنسي كلود لوروا، الذي شارك في تسع بطولات أفريقية في رقم قياسي، بجانب الملعب عندما كان يغطي البطولة للتلفزيون الفرنسي. وقال لوروا، الذي سبق له تدريب السنغال: «جاء ساديو ​ليسألني عما سأفعله إذا كنت في مكانه، وقلت له بكل بساطة (سأطلب من زملائك في الفريق العودة)». وأدى هذا التصرف الحكيم في النهاية لفوز السنغال بكأس أمم أفريقيا، حيث أهدر إبراهيم دياز ركلة الجزاء بغرابة، ونجحت السنغال في خطف هدف في الشوط الإضافي لتحرز اللقب القاري للمرة الثانية في تاريخها، ونال ساديو ماني جائزة أفضل لاعب في البطولة. هذا التصرف الرائع من ماني ليس بمستغرب حيث عرف اللاعب بنجوميته خارج الملعب، واعتزازه بدينه وحبه لمساعدة الآخرين. وحرص ماني على أداء فريضة الحج برفقة والدته، وأعرب عن سعادته الغامرة بأداء الركن الخامس من الإسلام، كما أدى العمرة عدة مرات. ويرى ماني أن لاعب كرة القدم يجب أن يحافظ على قيمه ولا يتغير أو ينجرف وراء مظاهر الترف، بل يستغل شهرته وثروته لمساعدة الآخرين، وهذا ما جعله مثالًا يحتذى بالنسبة للكثيرين. وقبل النهائي الأفريقي، تلقى ماني أخبارًا سارة حيث أُعلن عن اكتمال مشروع المستشفى الذي كلفه بناؤه قبل سنوات، نصف مليون دولار في قريته بامبالي بالسنغال، ليبدأ المستشفى في استقبال أبناء مجتمعه وتقديم العلاج المجاني لهم، في مبادرة إنسانية تجسد المعنى الحقيقي للنجومية. نشأة متواضعة وحب للأعمال الخيرية ولد ساديو في العاشر من أبريل عام 1992، في قرية بامبالي المتواضعة، القريبة من مدينة سيديو، جنوب شرق العاصمة داكار، ووالده كان إمامًا لمسجد القرية ولعب ذلك دورًا في تنشئته الدينية حيث حرص والده على تعليمه القرآن الكريم، ومع حب ساديو الشديد للعب كرة القدم، أراد والده منعه من ممارستها حتى لا تؤثر على تعليمه الديني، وفي خضم ذلك الصراع، صعق الفتى الصغير وهو في سن السابعة بوفاة والده متأثرًا بمرضه، فتولى عمه تربيته. وقال ماني في تصريح سابق: «أنا مجرد إنسان. لست مثاليًا، ولكن من المهم أن أكون مثالًا جيدًا للشباب في بلدي، عشت الخصاصة والجوع، فقدت والدي الذي كان يعاني من مرض وآلام حادة في المعدة، ولم يتلق عناية طبية كافية لسبب بسيط هو أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مستشفى في مدينتنا، لا أريد أن أقدم وعودًا أخرى، والله وحده يعلم المستقبل، لكن التعليم والصحة الجيدة يجب أن يكونا من أولويات جيلنا». وفي إطار سعيه لتحقيق حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم، هرب ساديو من قريته بامبالي إلى العاصمة داكار بمساعدة أحد أصدقائه، دون أن يعلم أحد، وبعد أسبوع عندما علم أفراد العائلة بتواجده في العاصمة أعادوه إلى القرية، لكن طموحه كان أقوى، وفي عمر الـ 16 لفت أنظار أحد كشافي المواهب، الذي ضمه عام 2009، إلى نادي «جينيراسيون فوت» السنغالي. وبعدها شاهده كشاف المواهب في نادي ميتز الفرنسي، وقرر ضمه للنادي عام 2011، لتبدأ رحلة طويلة من التألق في ملاعب كرة القدم، مثل خلالها أندية عريقة مثل ليفربول الإنجليزي وبايرن ميونيخ الألماني اللذان شهدا قمة عطائه ونجوميته، بالإضافة لأندية أخرى مثل رد بول سالزبورغ النمساوي، وساوثامبتون الإنجليزي. توّج ماني بالعديد من الألقاب مع ليفربول أبرزها دوري أبطال أوروبا مرتين عامي 2019 و2022، والسوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية عام 2019، كما أحرز في 2020 الدوري الإنجليزي الممتاز الذي غاب عن خزائن النادي مدة طويلة، وشكل مع النجم المصري محمد صلاح ثنائيًا بارزًا في تشكيلة المدرب يورغن كلوب. وفي عام 2022 انضم ساديو إلى بايرن ميونيخ الألماني الذي حقق معه كأس السوبر وبطولة الدوري موسم 2022-2023، قبل الانضمام إلى نادي النصر. أما مسيرته مع منتخب السنغال فبدأت في 25 مايو 2012 ومنذ ذلك الوقت خاض 126 مباراة دولية سجل خلالها 53 هدفًا. وأسهم ماني في تتويج منتخب السنغال بكأس أمم أفريقيا مرتين عامي 2022 و2025، وبلغ معه النهائي في نسخة 2019، كما أحرز جائزة أفضل لاعب في أفريقيا في عامي 2019 و2022، فضلًا عن جائزة أفضل لاعب في كأس أمم أفريقيا مرتين عامي 2022 و2025. وشارك ماني مع السنغال في كأس العالم عام 2018 في روسيا، وحرمته الإصابة من المشاركة مع «أسود التيرانغا» في مونديال 2022 بقطر، ومع أنه أعرب عن رغبته بالاعتزال دوليًا عقب التتويج بكأس أمم أفريقيا الأخيرة، إلا إن الجميع طالبه بالاستمرار والمشاركة في المونديال الثاني في مسيرته الصيف المقبل في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. أعمال خيرية متواصلة تختلف عقلية ماني عن بقية نجوم كرة القدم في العالم، حيث يفضل أن يستغل ثروته في مساعدة الآخرين والأعمال الخيرية والإنسانية خصوصًا في مسقط رأسه وفي القارة السمراء، بدلًا من الانجراف وراء مظاهر البذخ والترف. واشتهر ماني بتصريحه الذي قال فيه: «كنت أتضور جوعًا، وعملت في الحقول ولعبت حافي القدمين. أريد مساعدة السكان المحليين». وأضاف: «لماذا أشتري 10 سيارات فيراري أو 20 ساعة مرصعة بالألماس، أو تكون لي طائرتان؟ ماذا سيفعل ذلك للعالم؟ من الأفضل لي أن أبني مستشفى في قرية بامبالي على أن أملك 10 سيارات فيراري». ويشتهر قائد منتخب السنغال بأعماله الخيرية المتعددة، فبعد أن أصبح نجمًا مع فريق ليفربول الذي لعب له بين عامي 2016 و2022، كان أول عمل قام به ساديو ماني هو تقديم مساعدة مالية بلغت 250 ألف يورو لبناء مدرسة في قريته، بالإضافة إلى مبالغ أخرى لترميم وصيانة مدرسته القديمة التي درس بها، كما أنشأ عددًا من المساجد في مدينة سيديو القريبة من قريته. وحقق ماني أمنيته بعد وفاة والده متأثرًا بمرضه لعدم وجود مستشفى في قريته أو بالقرب منها لإسعافه، حيث تكفل ببناء مستشفى بمسقط رأسه، وكان قد قال أيضًا في تصريح لصحيفة (غارديان) البريطانية: «أتذكر أن أختي ولدت أيضًا في المنزل لأنه لا يوجد مستشفى في قريتنا. لقد كان موقفًا محزنًا حقًا للجميع. أردت أن أبني مستشفى لمنح الناس الأمل». ويهتم ماني كثيرًا بمشاريع الصحة والتعليم والرياضة وتحسين جودة الحياة في بلاده، حيث تبرع بأجهزة كمبيوتر لبعض المدارس، وساهم في برامج تعليم الأطفال وتكفل بتقديم جوائز للطلاب المتفوقين، كما تبرع بمبالغ مالية ضخمة أثناء جائحة كوفيد-19 للوقاية من فيروس كورونا. وتكفل ماني ببناء بعض الملاعب وقدم دعمًا لتوفير تجهيزات كرة القدم للأطفال وتشجيعهم على ممارسة الرياضة، وشارك في حملات توعوية مع منظمات إنسانية عدة ضد العنف والتمييز العنصري والتحرش الجنسي، بالإضافة إلى حملات توعية لتحسين الصحة العامة. ويقدم ماني أيضًا مساعدات شهرية بقيمة 76 دولارًا لكل عائلة في قريته، إضافة إلى منح دراسية للطلاب، وتوفير خدمات الكهرباء والإنترنت مجانًا لهم، كما وفر لأبناء قريته مكتبًا للبريد ومحطة للوقود. ومن أعماله الخيرية، إنشاء مخبز في السنغال حيث وفر وظائف لبعض أبناء جلدته، بالإضافة إلى تقديم الخبز مجانًا للأسر الفقيرة. ويعرف ماني بتواضعه حيث شوهد النجم السنغالي ينظف حمامات أحد المساجد في مدينة ليفربول، كما يحرص على حسن معاملة الآخرين مثل احتضانه لجامعي الكرات ومساعدتهم في حمل زجاجات المياه الخاصة باللاعبين، واستغرب الكثيرون عندما التقطت صورة له ممسكًا بھاتف شاشته مكسورة. وأنشأ ساديو ماني مؤسسة خيرية تحمل اسمه، وتعمل على توفير الدعم للمشاريع الاجتماعية في السنغال ودول أفريقيا الأخرى. التتويج بجائزة سقراط للأعمال الإنسانية نال ساديو ماني جائزة سقراط عام 2022م، التي تم استحداثها في ذلك العام لأول مرة، في حفل جائزة الكرة الذهبية الذي تنظمه مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية الشهيرة، حيث تمنح للاعبين الذين يشاركون في الأعمال الخيرية والإنسانية، ويناضلون من أجل دعم الفقراء والأطفال المحرومي، ويسهمون بمشاريع اجتماعية وصحية، ويدعمون جهود حماية البيئة والمناخ. وأنشئت جائزة سقراط بالتعاون مع منظمة «السلام والرياضة»، وأطلق عليها اسم «سقراط»، وهو أحد أساطير كرة القدم البرازيلية، وذلك اعترافًا بجهود النجم البرازيلي السابق الذي توفي في 2011، وكان طوال حياته رمزًا للإبداع في كرة القدم ونموذجًا للأعمال الإنسانية في بلده البرازيل. ولم يكن تتويج ماني بجائزة «سقراط» إلا اعترافًا بسيرة إنسانية وأنشطة اجتماعية وجهود جمة لمساعدة المحرومين في السنغال للنجم الذي سارت حياته خارج الملاعب بنفس وتيرة التواضع والتميز والإشعاع داخل المستطيل الأخضر حتى تحول إلى أيقونة في الجهود الإنسانية بين نجوم كرة القدم.  التطوع مع مركز الملك سلمان للإغاثة في أكتوبر عام 2024، أعلن مركز الملك سلمان للإغاثة أن نجم النصر ماني، هو أول لاعب كرة قدم أجنبي يتطوع للعمل مع المركز، حيث غرد المركز عبر حسابه على منصة إكس: «بادرة رائعة من اللاعب ساديو ماني تتمثل بزيارة مركز الملك سلمان للإغاثة، التقى خلالها بمعالي المشرف العام على المركز الدكتور عبدالله الربيعة، ليكون أول لاعب دولي أجنبي يتطوع مع المركز. كل الشكر للاتحاد السعودي لكرة القدم على دعمهم وتشجيعهم لهذه المبادرات والمشاركات التي تترك أثرًا إيجابيًا ملموسًا، وتعزز الوعي لدى الجميع بأهمية المساهمة في العمل الإنساني والإغاثي». وتتعدد المواقف الإنسانية للنجم السنغالي، ومنها أنه أنقذ طفلًا من الموت في الكاميرون التي استضافت كأس أمم أفريقيا عام 2019، وتوج حينها ماني بأول لقب في تاريخ البطولة مع منتخب بلاده. وفي تفاصيل القصة أن ساديو ماني فقد وعيه لفترة وجيزة عقب اصطدامه بحارس مرمى منتخب الرأس الأخضر في ثمن نهائي البطولة القارية، ونقل إلى المستشفى بعد اللقاء الذي حسمته السنغال بنتيجة 2-0. وبينما كان ماني يتعالج في أحد المستشفيات بالكاميرون، قام بدفع 400 ألف فرنك إفريقي (قرابة 700 دولار أمريكي) لأسرة طفل مصاب بإصابات تهدد حياته، والذي لم تستطع عائلته تحمل تكلفة المستشفى. وسردت يومها صحيفة (ديلي ميل) البريطانية القصة، وقالت: «كانت عائلة الطفل في محنة، بسبب إصابة ابنهم بكسر في العظام وجميع أنحاء جسده عقب حادث تسببت به دراجة نارية، وكان الطفل على وشك الموت، ولم يكن والداه قادرين على تحمل تكاليف العلاج، قبل أن يتواجد ساديو ماني في المستشفى، عندما كان يتعالج من الاصطدام، وشاهد اللاعب السنغالي العائلة حزينة وسألهم عما يجري، شرح والدا الطفل الوضع، ثم تكفل ماني بقيمة علاجه فورًا». وبسبب سيرته الحسنة وأخلاقه النبيلة، أسهم ساديو في إسلام صديقه الألماني، وكان نجم النصر حاضرًا خلال تلقينه الشهادة وإعلان دخوله الإسلام في أحد مساجد الرياض. وأشار الشخص الذي اعتنق الإسلام أنه صديق لساديو ماني وأنه قدم من ألمانيا إلى السعودية حيث طلب اعتناق الإسلام بسبب المعاملة الطيبة التي تلقاها من اللاعب السنغالي