الفنان السعودي الرائد عبدالله المرزوق:
انا عاشق للون الأسود لما له من جاذبية في امتصاص العين.
الفنان السعودي عبدالله المرزوق؛ عشق الفن في سن مبكرة جدا في اواخر الستينات الميلادية، واخذه هذا الحب للمزيد من القراءة والتدرب في المدرسة ورفقة دربه في الحارة، اخذ من البيت العربي ملاذا للكشف والتقرب من الألوان ودفئها، الأماكن والمعمار القديم ليس تراثا صامتا لكنه كنز ثمين في ترميم الذاكرة الإنسانية كما يقول، انطلق كما يبدأ الفنان الحقيقي، بالتدريب والممارسة والقراءة، ثم اتمها بالدراسة الأكاديمية في امريكا وعاد لوطنه ليترجم ما تعلمه على أرض الواقع في سلسلة غير منتهية كما اسماها ليضيء بمدرسة خاصة ينتمي لها وتنتمي له بثراءها وألوانها التي تشير له وحده دون غيره، في هذا الحوار نقترب منه وهو احد رواد الفن في الشرقية والمملكة لمزيد من الكشف والمتعة. في مجموعة البيت العربي رسمت (النافذة) بشكل مغاير وبألوان متعددة ؛ ما الذي تعنيه النافذة لك؟ في البدايات وفي تلك الفترة الزمنية قبل دراستي الاكاديمية، كنت مهووس برسم المنازل او كما اسميه “البيت العربي” فالحنين رجعني الى الماضي الذي حمل تأثيرات المكان عبر ما يلتصق بالإنسان التصاقا حميما. لقد استهوتني النافذة في هذا المعمار فقمت بدراسة تجريبية بالأوان المائية استغرقت ما يقارب السنة في البحث والتجريب – وانا اعتبرها مرحلة تأسيسية لأعمال الأكريليك ودخولي المدرسة التجريدية في اول مشروع بعد التخرج – انه اختزال وتبسيط لهذه الملامح وإعادة ترميم في الذاكرة لهذه الملاح المعمارية الثمينة ثقافيا. لقد استغرقت هذه التجربة الأربع سنوات مستمتعا بدراسة اللون وانسجامه لأني كنت أطبق ما تعلمته في دراستي ولأول مرة وفي هذه اللحظات عرفت مقدار حصيلة ما تعلمته فجاءت الاعمال او اللوحات واحدة تلو الأخرى وهي كما اسميتها (سلسلة غير منتهية) أي أني كنت ارسم من غير توقف وإذا تمعنا في الاعمال نلاحظ ان هناك خط عام تتمحور حوله هذه الاعمال وهي سمة العزل والفراغ للأشكال وبهذا الأسلوب حاولت ان أخلق بعدا من الألوان عن طريق معالجتها والعمل على تماسك وتوازن معطيات التكوين على سطح الكانفس. انت مغامر في التجريد ومتجدد كما في سلسلة ( قوس قزح الصحراء ) ؛ حدثنا عن هذه التجربة؟ هذه المجموعة لها أهمية كبيرة في مسيرة تجربتي الفنية بما احتوته من إمكانات معرفية وتوظيف اللوحة وارتباطها بإيقاع العصر وابعاده المختلفة الحسية والمعنوية فقوس قزح هنا ليس المألوف والمعروف لتنقسم اللوحة الى تفاصيل واشارات أيقونة تستحضر الانسان لا بجسده ولكن بفكره وتمنح للعين حريتها للمشاهدة في اختزال في الواقع الى علاقات وعلامات بصرية تحمل دلالات الواقع – نسيج من مواد مختلفة مثل الترانزستر والكرتون والخشب والخيش وغيرها التي تجاوزت الشكل التقليدي في الأداء حيث نلتمس صعود الإيقاع في ضربات الفرشاة وتنوع السطح والملامس. فقوس قزح الصحراء هو استدعاء لما يطلق عليه (عاصفة الصحراء) بكل ما احمله من دلالات ووقائع. انه اختزال الواقع الى علاقات وعلامات بصرية واستدعاء احداث. تعتمد على الألوان الدافئة والقوية وإدخال الشكل الهندسي في جل اعمالك؛ هل يدرك المتلقي فحوى الرمز في اعمالك وبالأخص الجيل الجديد من الفنانين؟! اعمالي واسلوبي في “مجموعة أوكبيشن سبيس” هي عبارة عن دراسة مبسطة للعنصر او الشكل المتكون في اللوحة ليس لها تعقيد وهذا هو حال الاعمال التجريدية، اعمال لا حدود لها من التكوين وكما قال بيكاسو “اتقن القواعد كمحترف حتى تتمكن من كسرها”. فالدراسة مهمة جدا وضرورية لفهم الفنان بما هو عليه او بما يفعله والفن بالنسبة لي هو الحياة بدونه تتوقف عقارب الساعة. في عام 2019م بيعت لوحة لك في مزاد سوذبي بلندن، حدثنا عن هذا الحدث وما الذي يعنيه لك؟ شهد مزاد “سوذبي” في لندن وهو أحد اهم المزادات الخاصة ببيع الاعمال الفنية العالمية وكنت مشاركا حيث بيعت لوحة لي من “مجموعة البيت العربي” التي قمت برسمها عام 1989 أي حوالي قبل 30 سنة وانا اعتز بهذا المنجز الذي حققته كما حصلت على كثيرا من الجوائز في المعارض الداخلية والخارجية. عملت لسنوات طويلة رئيسا للشؤون الثقافية العامة للرياضة في مدينتي الدمام والقطيف، ندرك ان العمل الإداري منهك ومجهد للفنان؛ هلا حدثتنا عن تلك الفترة واهم إنجازاتها؟ عملت سنوات طويلة رئيسا لقسم الشؤون الثقافية – اعتقد من الصعب ان اتحدث عن تلك الفترة في سطور قليلة لأنها كانت حافلة بكثير من الاحداث والحديث عنها يطول. لقد كان للرئاسة العامة لرعاية الشباب دور كبير في بناء حركة الفن التشكيلي و كان من ضمن الأقسام الموجودة في الرئاسة قسم النشاطات الثقافية القائم على انشاء المعارض التشكيلية فكان هذا القسم باب مفتوح للفنانين بإقامة المعارض التشكيلية وتشجيع الفنانين فازداد عدد الفنانين التشكيليين حيث وجدو الدعم والتشجيع في إقامة المعارض والمسابقات التشكيلية على المستوى الداخلي والخارجي وقد عملت على تشجيع الفنانين واقتناء أعمالهم واكتشاف المواهب الجديدة وعمل المراسم للشباب لممارسة النشاط الفني بالتوجيه المستمر حيث رصدت الرئاسة الجوائز العينية والمالية ومنح المتسابقين شهادات المشاركة. وعلى مدار 14 سنة كنت مشرفا على مرسم مكتب رعاية الشباب بالقطيف الذي حصد معظم جوائز المرسم خلال هذه السنوات. برأيك ما الطريق الأنجح إلى تأصيل الهوية للحركة الفنية في المملكة العربية السعودية؟ ان الطرق الانجح لتأصيل هوية الحركة الفنية التشكيلية في المملكة، اعتقد ان هناك كثير من الأسباب ومنها: 1.الاستمرارية وهو شيء أساسي. 2.الدراسة وهو شيء لابد منه لان التعليم أساس في صقل الموهبة. 3.المشاركة الفعلية في المعارض التشكيلية والحلقات الثقافية المتعلقة بالفن التشكيلي. اثرت تجربتكم الفنية في اجيال فتية متعاقبة بالمنطقة الشرقية انت وعلي الهويدي ومجيد الجاروف وكمال المعلم؛ كيف ترى المشهد الفني بعد خمسة عقود من الاشتغال؟! الفن في وقتنا الحاضر في تطور مضطرد حيث كثرت المعارض والجاليريات وصالات العرض وهو تطور سريع بوجود معهد مسك والبرامج التي يعمل بها في تطوير الفن والفنانين وهذا كله يرجع ما بذله صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورعاه في رسم خطة 2030 للنهوض بالمملكة نحو التقدم والازدهار. في تجربتك (احتلال المساحة) تسيد اللون الاسود الاعمال في إختلاف بسيط في الشكل، انت تعتمد على التوازن في اظهار جماليات العمل ؛ ماذا بينك وبين اللون الاسود ليشكل رفقة طويلة معك؟!! انا عاشق للون الأسود لما له من جاذبية في امتصاص العين على انه مسيطر على الألوان المحيطة به وهذا ما اردت ان أثبته في المجموعة الأخيرة التي ارسمها إضافة الى انه عميق في حد ذاته ويصعب اختراقه وكذلك ان له قيمة لونية مطلقة في معالجة العمل التشكيلي. رسمت في الهواء الطلق في القرن الماضي بالاسواق والحارات في تجربة فريدة قل نظيرها وكانت تجربة متقدمة في ذلك التاريخ؛ ماذا كنت تأمل من تلك التجربة وماذا اعطتك؟! لقد رسمت في الهواء الطلق او خارج المرسم وهي سنوات لا تنسى شغف في حب الفن وفترة صراع بين نفسي تكون او لا تكون فالحماس كان في أشده ابحث عن المعرفة باي وسيلة كانت. لقد كنت افتقر الى كثير من المواد والاشياء التي تساعدني في الرسم. كنت احمل الواني ولوحاتي فاقصد ازقة الديرة وهي الحارات القديمة في مدينة سيهات، ارسم المنازل وأحيانا اتجه الى المزارع وأحيانا الى ساحل البحر، ولقد كنت اتغيب عن حضور المدرسة لأقضي وقتي صباحا في الرسم خارج المنزل لان حركة الناس قليلة وهكذا مرت السنوات صراع للبقاء في شغف الفن. تقول الناقدة د. ميساء الخواجا: الفن هو الحياة في كل صورها سواء كان ذاكرة او تمردا او مجرد صورة جميلة. إنه الحياة التي لا تشيخ ، خلود الفنان والإنسان ورؤيته للحياة والكون. ؛ الفنان عبدالله المرزوق كيف يرى الفن؟! انا اتفق مع الدكتورة ميساء الخواجة ان الفن هو الحياة التي لا تشيخ وانا اعتبر الفن الأكسجين الذي من غيره لا نعيش. يقول بابلو بيكاسو في الفن: اتقن القواعد كمحترف، حتى تتمكن من كسرها كفنان. ؛ المرزوق ماذا يقول بهذا الصدد؟! نعم، نعم أوافق رأي الفنان بيكاسو ولابد من الدراسة الاكاديمية لكي تصبح فنانا ناضجا.