يُعد كتاب “ديوانية آل حسين التاريخية.. قرن وعقد من العطاء” للمؤلف الدكتور جبران سحاري من الإصدارات التوثيقية المتميزة التي توثق تاريخ واحدة من أعرق الديوانيات في المملكة العربية السعودية، والتي تجاوز عطاؤها المحلي إلى آفاق عربية واسعة، يمثل الكتاب نافذة غنية على تاريخ اجتماعي وثقافي امتد لأكثر من قرن، جسّد القيم السعودية الأصيلة من الكرم والوفاء، والالتقاء على الكلمة الطيبة والعمل الوطني النبيل، ليكون مرجعًا قيمًا للباحثين والمهتمين بالموروث الاجتماعي والثقافي السعودي. يأتي هذا الإصدار في وقتٍ تتنامى فيه الحاجة لتوثيق التاريخ الاجتماعي للديوانيات والمنتديات الشعبية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، ويقدم المؤلف مادة دقيقة غنية بالصور والوثائق والشهادات، تناولت المراحل المختلفة التي مرت بها ديوانية آل حسين التاريخية منذ تأسيسها وحتى وقتنا الحاضر، موضحًا دورها في احتضان العلماء والأدباء والمثقفين ورواد العمل الاجتماعي من مختلف مناطق المملكة، *وتُعد الديوانية *– كما يبرز الكتاب – من أقدم وأعرق الديوانيات في المملكة والوطن العربي، فهي لم تقم على الفئوية أو الأسرية أو القبلية، بل كانت ولا تزال ديوانية لكل الوطن، تجمع الناس على المحبة والمعرفة، وتفتح أبوابها للجميع دون تمييز. وعبر أكثر من 3000 فعالية ومبادرة شملت مجالات الثقافة والبيئة والعمل التطوعي والكشفية والصحة والمجتمع، قدّمت الديوانية منصة للعطاء والإبداع بمشاركة آلاف المستفيدين من مختلف الأعمار والفئات، ما جعلها نموذجًا رائدًا للعمل الاجتماعي والثقافي المستدام، ومتوارثًا عبر الأجيال بفضل جهود أبناء الأسرة الكريمة، وقد تطرّق المؤلف إلى التاريخ العريق لأسرة آل حسين من الوداعين الدواسر، موضحًا مواقفهم الوطنية منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، حيث شارك أحد عشر فارسًا من الأسرة في نصرة الدرعية عام 1167هـ كما دوّن ابن غنام في تاريخه. كما تناول سيرةالشيخ سليمان بن حسين – أمير منفوحة – الذي كان على رأس 300 رجل من رجال الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أثناء استرداد الحجاز، وهو من صعد منبر الحرم المكي الشريف ليعلن كلمته الشهيرة: «الملك لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن» وقد استند المؤلف في ذلك إلى دارة الملك عبدالعزيز وعدد من المصادر التاريخية الموثوقة، مؤكدًا أن هذه الصفحات تمثل إرثًا وطنيًا خالدًا وعطاءً امتد لأكثر من قرن في خدمة الدين والوطن والمجتمع، ويشير الكتاب إلى أن أفراد أسرة آل حسين ظلوا على ولائهم الراسخ لولاة الأمر والدولة السعودية المباركة منذ تأسيسها، وكانوا دومًا جنودًا في نصرتها ومخلصين في عطائهم. كما يسلط الضوء على أن الديوانية لم تقتصر على الضيافة واللقاءات الاجتماعية التقليدية، بل امتدت لتصبح منصة ثقافية وتنموية تقدم محاضرات وندوات ومبادرات اجتماعية وصحية وبيئية، مقدمة نموذجًا فريدًا للعطاء المستمر والمتجدد، *الأوقاف والأعمال المجتمعية* لأسرة آل حسين، خصّ المؤلف جزءًا مهمًا من كتابه لتوثيق الجوانب الاجتماعية والوقفية والخيرية لأسرة آل حسين التاريخية، مبينًا ما عُرف عنهم من روح التكافل والعطاء في منفوحة والرياض عامة. فقد برزت الأسرة في دعم الفقراء والمحتاجين وتخصيص الأوقاف لصالح الأسر المتعففة والمساجد والمرافق العامة، وكان اهتمامهم بالعمل الخيري ممتدًا عبر الأجيال، ومن *النماذج* التي أوردها المؤلف استمرار أحد أوقاف الأسرة منذ عام 1277هـ، كما ورد في وثيقة ناصر بن إبراهيم بن سلطان الحسين. كما وثّق وصية مؤرخة بعام 1330هـ / 1912م لسارة بنت محمد بن عبدالله بن محمد الحسين، تضمنت تحديد غلة الوقف لصرفها في شهر رمضان لإعانة الصائمين والمحتاجين، مما يعكس اهتمام الأسرة العميق بحال الأهالي ورعايتهم في المواسم الدينية، كما تناول الكتاب اهتمام الأسرة بالتعليم والتجارة والعمل الاجتماعي، إذ كانت أول مدرسة في بلدة منفوحة قد بُنيت على يد عبدالعزيز بن إبراهيم الحسين وعبدالعزيز بن سعد آل محمود، وسُميت لاحقًا بمدرسة الأشيقر، لتصبح من أوائل المدارس التي ساهمت في نشر التعليم والمعرفة في الرياض، أما في جانب التجارة، فقد برز عدد من رجالات الأسرة مثل محمد بن سليمان الحسين الذين عُرفوا بالصدق والكرم وطيب السيرة، واستمروا على نهج أسلافهم في الجمع بين العمل والإحسان، مؤكدين قيم الوفاء والريادة المجتمعية. ويختتم المؤلف حديثه بالتأكيد على أن عطاء أسرة آل حسين لم يكن محصورًا في منفوحة، بل امتد أثره إلى أنحاء المملكة، عبر أجيال توارثت الإخلاص في العمل والوفاء للوطن والقيادة، لتبقى سيرتهم رمزًا للعمل الاجتماعي النبيل في تاريخ الرياض والمملكة.