ماذا لو كانت الأبدية اختبارًا لنا؟ هل يمكن للحب أن يُختبر خارج الزمن الذي عايشناه؟ وهل واقع ما بعد الموت أعمق من مجرد فكرة دينية أو خيالية؟ تُطرح هذه الفكرة في فيلم سينمائي حديث الإنتاج وهو فيلم أمريكي من نوع الخيال الرومانسي الكوميدي أخرجه (ديفيد فراين) ويستند إلى سيناريو كتبه هو مع (بات كانين) و يقدّم الفيلم رؤيةً سينمائيةً فريدة لما بعد الموت، حيث تُمنح الأرواح أسبوعًا واحدًا لاختيار أين تريد أن تقضي الأبدية، مما يدخل المشاهد مباشرةً في تساؤل وجودي عميق إلى أين يمتد معنى الحب عندما يزول الجسد؟ والحقيقة أن الفيلم أمسك بالفكرة لكن يبدو لي أنه تم تجاذبها فيما بعد بين طرفين حتى ترهلت الفكرة الجوهرية، ثم تحولت إلى مجرد قصة رومانسية تتحدث عن حب أبدي في آخر المطاف. وبالرغم من ذلك فهذه النوعية من الأفلام تفتح عوالم الأسئلة، خاصة مع كونه فيلم بلا مشاهد خادشة و بتصنيف رومانسي/ كوميدي، مع أن عنوان الفيلم كان يوحي بمحتوى ثقيل حول المصير المجهول الذي حارت فيه العقول، وتساؤلاتنا حول النعيم الأبدي أو الجحيم و عن الأبدية، والتي عرضت بطريقة الكوميديا السوداء. يحكي الفيلم عن زوجين مسنين يتوفى الزوج فجأة في احتفال عائلي لتلحق به الزوجة بعد مدة بسبب إصابتها مسبقاً بالسرطان، ثم يجد الزوجين نفسيهما في برزخ عجيب بعيد كلياً عن كل تصوراتهما ومعتقداتهما حول الحياة الآخرة، فالمرحلة الانتقالية السابقة للأبدية ستحدد الخيارات التي لا رجعة فيها، خيارات متعددة لحياة أبدية واحدة! كيف سيكون شكل الحياة الدائمة التي سيختارانها ومع من، خاصة مع ظهور الزوج السابق للزوجة والذي كان قد توفي في الحرب قبل أعوام لكنه آثر البقاء منتظراً إياها قبل أن يختار أبديته، يصور المخرج هذا العالم بشكل هلامي عجيب وغير مفهوم وصادم، لا يمكنك الوصول إلى آخرتك إلا بعد المرور به بل والقيام باختيار شكل واحد فقط للأبدية، شكل واحد بمعتقداته وجغرافيته وتاريخه ورفاقه كذلك، فتخيل لو كنت محباً للفنون واخترت ان تكون أبديتك في متحف .. بالتأكيد ستصاب بالجنون بعد وقت قصير جداً من ذلك، لذلك كان يجب أن يفكر الأشخاص المنتقلون ملياً قبل الذهاب إلى مآلهم لأن الطريق حتماً بلا عودة . فنحن حين نفكر في الأبدية _غالباَ_ نعتقد يقيناً أننا سنتبدل نحن كذلك، و تتبدل طريقة تعاطينا مع الأمور .. ربما نتخيل أننا سنفقد الشعور بالوقت أوالشعور بالملل، وربما سنفقد الشعور بالفراغ أو الشعور بالضرورة المعنوية، وهذا ضروري لحياة أبدية لأن وجود جنة بتركيبتنا الحالية قد يكون جحيماً، و ربما كانت النهاية هي الجوهر الذي يمنح هذه الحياة السريعة التي نحياها جمالها ومعناها. في الفيلم تقع (جون) الزوجة بين خيارين الحب الأول قصير الأمد الذي عاشته مع الزوج الأول وهو حب مجنون وشغوف، والخيار الآخر هو الحب المكثف مع الزوج الثاني الذي استمر لسنوات طويلة مليئة بالذكريات وكان نتاجها عدد من الأحفاد والأولاد، لتتحول القصة في نهاية الفيلم إلى حيرة بين خيارين، بين شخصين، وتنحصر فكرة الآخرة هنا على الشريك فقط بمواجهة شرسة بين رجلين، مما يكرس فكرة الزواج الأبدي والحب، فيبتعد الفيلم هنا عنا فكرته الوجودية ويركز على الحب فقط، الرواية تنسج حبكة حب عُلوية حين تواجه (جو) الشخصية التي تجسّدها (إليزابيث أولسن) خيارًا بين حبّيْن (لاري) حب طويل ومعتاد و (لوك) حب أول كان نابضًا لكنه انقطع بسبب وفاته أثناء الحرب، و الفيلم هنا يتناول الحب كقيمة وجودية يتم تقييمها خارج إطار الزمن المألوف مما يثير التساؤل حول الحب العظيم هل هو الذي يستمر طويلًا، أم الذي يكون مكثفًا حتى لحظة الفقد؟ هل الحياة مجرد تدفق زمني أم تراكم قرارات نعيد النظر فيها بعد أن نرحل عن العالم الفيزيائي؟ من الناحية السينمائية يعتمد الفيلم على لغة بصرية ذات طابع سريالي فالمشاهد في ما بعد الحياة تبدو كأنها مساحة وسيطة بين الواقع والخيال، أما الألوان والضوء استخدمتا لتحديد الحالة الشعورية والوجدانية، و الموسيقى تنسجم مع الحالة النفسية بدلًا من أن تكون مجرد خلفية، وهنا ترسم السينما بعدًا غير محسوساً للزمن حيث لا يكون الزمن مجرد تتابع لقطات بل فضاء تخيّلياً يصوغ المعنى الوجودي بالتعامل مع مفهوم ما بعد الموت كبيئة نفسية، وكأن الفيلم يسأل هل الوعي مستمر؟ وإذا كان كذلك فبأي شكل؟ و اختيار أين تمضي الأبدية هو إعادة تقييم لما يتجاوز الحياة، هل سنتمسك بالمألوف أم أننا سنعيد اكتشاف أشياء أخرى؟ لهذا من المفترض أن يكون فيلم ((Eternity أكثر من مجرد كوميديا رومانسية، كنت أأمل أن يكون Eternity عملًا سينمائيًا يتجاوز جنسَه الأولي ليصبح تأملًا فلسفيًا في معنى الزمن والحب والقرار لكنه سقط في آخره ليكون رومانسياً بحتاً سُلبت روحه بسبب الدافع الربحي فالفكرة كانت أكبر من الفيلم، هذه الفكرة الخطيرة والجميلة التي تقول أن ما بعد الموت ليس مكافأة ولا عقابًا، بل مساحة اختيار، وهذه الفكرة وحدها كافية لبناء فيلم وجودي، لكن تم ترويض الفكرة كما يبدو كي تصبح قابلة للتسويق أو سهلة الهضم لتصل إلى شرائح أكثر، لأنها ببساطة عاطفية أكثر مما هي فكرية، وكأن الفيلم لا يسمح للفكرة أن تصبح مزعجة فكلما اقتربنا من حافة الهاوية يتراجع خطوة للخلف، لكن لا يمكن إنكار أن الفيلم جميل بصريًا لكن جماله مُدجَّن حيث لا توجد مخاطرة جمالية حقيقية فهو في آخر الأمر فيلم ممتع لكنّه ليس شجاعًا بما يكفي.