فيلم “نزوح” للمخرجة السورية سؤدد كعدان هو صوت مكتوم استغرق عشر سنوات حتى يخرج إلى النور، بعد فيلمها القصير “باب السماء مفتوح” 2013 وفيلمها الطويل “يوم أضعت ظلي” 2018، يأتي نزوح 2022 ليكمل ثلاثيتها غير المعلنة عن الحرب السورية، لكن هذه المرة من داخل الجرح نفسه: البيت المدمَّر، والسقف المفقود، والقرار المستحيل بين البقاء والرحيل. يبدأ الفيلم بلقطة: صاروخ يخترق سقف شقة عائلة دمشقية، فيترك فتحة تطلّ مباشرة على السماء. هذه الفتحة هي الثيمة البصرية الأساسية للفيلم بأكمله. من خلالها تنام الفتاة زينة”هالة زين” لأول مرة تحت النجوم، ومن خلالها تتواصل مع الصبي عامر “نزار العاني” في البيت المجاور، ومن خلالها يصبح البيت نفسه شخصية حية تتنفس وتئن وتنزف. اختيار كعدان تصوير الفيلم بإضاءة طبيعية، وبدون إضافات ديكورية، يجعل كل شقّ في الجدار وكل غبار على الأثاث شهادة دامغة لا يمكن تزويرها. الفيلم يحكي عن الحرب من الخارج، وحرب من الداخل، حيث الخلاف الزوجي الأكثر قسوة: هل نبقى أم نرحل؟ يجسّد سامر المصري “معتز” موقف الصمودالذي يتحول تدريجياً إلى عناد مرضي، بينما تمثّل كندة علوش”هالة” الصوت المذعور الذي يخشى أن يتحول أطفالهما إلى أرقام في تقارير الأمم المتحدة. في هذا الصراع تنجح كعدان في توثيقه، وتجديده عبر تركيزها على زينة، الطفلة التي تكتشف الحب والموت في اللحظة نفسها. أداء هالة زين مذهل في بساطته؛ عيناها تحملان البراءة، لكن صوتها يحمل رجفة الكبار. من الناحية الشكلية، يتبنى الفيلم أسلوباً شبه وثائقي يذكّر بأعمال لوكريسيا مارتل أو كريستيان مونجيو، لكنه يحتفظ بلمسة شعرية سورية خالصة. الكاميرا تتربّص؛ تترك الممثلين يتحركون داخل المكان. والصوت هنا بطلٌ مساوٍ للصورة: صوت القصف البعيد يتداخل مع صوت التنفس، وصوت المطر على النايلون الذي يغطي السقف المفقود، وصوت أنين الجدران. الموسيقى متوازنة إلا في لحظة واحدة عندما تغني زينة أغنية أطفال قديمة، فيبدو الصمت بعدها أكثر رعباً. غير أن الفيلم ليس خالياً من العثرات. هناك لحظات يميل فيها السيناريو، الذي كتبته كعدان مع دلّا أبو زيد، إلى الخطابة، خاصة في المشاهد التي يحاضر فيها معتز عن الأرض والهوية. كذلك، شخصية عامر تبدو أحياناً أداة درامية أكثر منها شخصية مكتملة، وعلاقته بزينة تتطور بسرعة مفتعلة قليلاً. لكن هذه العيوب تبدو تافهة أمام القوة العاطفية الخام التي يحملها الفيلم، وأمام شجاعة كعدان في تصوير الحرب من دون أي تجميل أو شعارات ثورية فارغة. “نزوح” هو أيضاً فيلم عن النظر، الجميع ينظر إلى السماء: زينة تبحث عن النجوم، هالة تبحث عن طائرة إنقاذ وهمية، معتز ينظر إلى السقف المفقود كما ينظر إلى كرامته المفقودة. حتى المشاهد يُجبر على النظر إلى الأعلى، لأن السقف لم يعد موجوداً. هذا النظر إلى السماء هو في النهاية نظر إلى الموت والحياة معاً، وإلى اللامعقول الذي صرنا نعيشه يومياً. عندما عُرض الفيلم في البندقية 2022 وحصل على جائزة الجمهور في قسم “آفاق إضافية”، ثم منع في سوريا، ثم عاد ليعرض في دمشق عام 2025 ضمن تظاهرة “أفلام الثورة السورية”، أدركنا أن “نزوح” حدث سياسي وإنساني، هو الدليل على أن السينما السورية لا تزال حية، رغم كل شيء، وأن هناك جيلاً جديداً من المخرجين والمخرجات قادر على تحويل الألم إلى فن لا يُنسى. الفيلم لا يقدّم إجابة على سؤال؛ هل نبقى أم نرحل؟، لأن الإجابة صعبة. لكنه ينجح في شيء أهم: يجعلنا نشعر بثقل السؤال نفسه، وبأن كل بيت مدمر في دمشق أو غزة أو أي مكان آخر هو في الأساس حفرة في سماء الإنسانية جمعاء. سؤدد كعدان تصور ما تبقّى منا بعد الحرب. وهذا في زمننا هو أصعب وأشجع عمل فني يمكن لمخرج أن يقوم به.