تقدّم رواية لا أنا لا هو لا أحد للروائي إبراهيم المكرمي تجربة سردية تقوم على تفكيك فكرة الهوية، لا بوصفها معطى ثابتاً، بل باعتبارها حالة متحركة تتعرض للاهتزاز تحت ضغط المجتمع والذاكرة والخوف. في نص قصير نسبياً، يراهن الكاتب على الكثافة والعمق، مقدّماً رواية لا تعتمد على وفرة الأحداث بقدر ما تعتمد على أثرها النفسي، ما يجعلها أقرب إلى تأمل طويل في حال الإنسان المعاصر. يدعم الغلاف هذه الدلالة عبر صورة إنسان بلا ملامح، في إشارة بصرية مباشرة إلى طمس الهوية الفردية. الوجه الغائب هنا ليس نقصاً، بل رسالة: حين تتكاثر الضغوط، يفقد الإنسان ملامحه قبل أن يفقد صوته. أما الألوان الحارة والحركة في التكوين، فتعكس توتراً داخلياً دائماً، وصراعاً لا يتوقف، حتى في لحظات الصمت. بنيت الرواية على أربعة عشر فصلاً غير معنونة، وهو خيار يعكس رغبة واضحة في عدم تقييد القارئ بمسارات تفسير جاهزة. الترقيم وحده يكفي لربط الأجزاء، بينما تُترك مهمة الربط الدلالي للقارئ نفسه. السرد يأتي بضمير المتكلم، ما يخلق علاقة حميمة بين النص والمتلقي، ويجعل القارئ أقرب إلى شاهد داخلي منه إلى مراقب خارجي. لغة المكرمي في هذه الرواية هادئة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالتوتر في عمقها. الجمل قصيرة، غالباً، لكنها محمّلة بإيحاءات نفسية وفكرية واضحة. لا يسعى الكاتب إلى الزخرفة اللغوية، بل إلى الدقة، وإلى التقاط لحظات الشعور الهش التي يصعب التعبير عنها. في كثير من المقاطع، تبدو اللغة وكأنها تسجل أفكاراً عابرة أو ملاحظات شخصية، لكنها في مجموعها ترسم صورة متماسكة لتجربة إنسانية قاسية. تتمحور الرواية حول الفرد في مواجهة محيطه، وحول الكلفة النفسية التي يدفعها الإنسان حين يُجبر على التكيف مع تصورات لا تشبهه. المجتمع في النص ليس كتلة واحدة، بل منظومة من العادات والأحكام والتوقعات، تمارس ضغطها اليومي على الشخصية الرئيسة، وتدفعها إلى حالة من العزلة الداخلية. هذا الصراع لا يُقدَّم بوصفه مواجهة مباشرة، بل يظهر في تفاصيل صغيرة: نظرة، كلمة، موقف عابر، لكنها تتراكم لتصنع شعوراً دائماً بالتهديد. واحدة من أهم نقاط قوة الرواية أنها ترصد ما يمكن تسميته بالعنف الصامت؛ ذلك النوع من الأذى الذي لا يُرى بسهولة، لكنه يترك أثره العميق في النفس. الإقصاء، التهميش، والضغط المستمر كلها عناصر تشكّل الخلفية النفسية للشخصية، وتفسر تحولات سلوكها لاحقاً. هذه التحولات لا تأتي مفاجئة، بل تُبنى تدريجياً، وكأن الرواية تقول إن الانكسار الكبير يبدأ دائماً بتصدعات صغيرة. لا تقدّم «لا أنا لا هو لا أحد» حلولاً جاهزة، ولا تنتهي بخاتمة مريحة. على العكس، تترك القارئ في مواجهة أسئلة مفتوحة: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يحتمل؟ ومتى يتحول الدفاع عن الذات إلى فعل حاد؟ وأين يقف الحد الفاصل بين الضحية والفاعل؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بصوت عالٍ، لكنها تظل حاضرة في خلفية النص. ما يميّز هذا العمل أيضاً حياده الواضح. الكاتب لا يتبنى خطاباً مباشراً، ولا يوجّه القارئ نحو موقف محدد. السرد يعرض الوقائع من الداخل، ويترك مساحة للتأويل، ما يمنح الرواية طابعاً إنسانياً عاماً، ويجعلها قابلة للقراءة في سياقات مختلفة. في المحصلة، يمكن اعتبار «لا أنا لا هو لا أحد» رواية عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة نفسه، وحين يصبح البحث عن معنى للوجود مسألة بقاء لا ترف فكري. إنها رواية قصيرة في حجمها، لكنها ثقيلة بأسئلتها، وتستحق أن تُقرأ ببطء، لا بحثاً عن حدث، بل عن فهم أعمق لما يحدث داخل الإنسان حين تضيق به الدوائر.