وحدهم سيغنون يا (ود اللمين) !!
"عامان مرّا على رحيل الموسيقار السوداني : محمد الأمين " ( قالو متألم شويه ) ، وكنا نظنه الألم ذاته مثل كل مرة ، بسيطاً و عارضاً ، عابراً و خفيفاً . صرنا نؤمن على نحوٍ رومانسي وغفلة فادحة أن الملف الطبي ل ( ود اللمين ) لايضم بين غلافيه ولن يسجل في أوراقه العابقة برائحة الصيدلية وذكريات المعقمات العنبية الداكنة إلا تلك الألام التي تندرج في قائمة ال ( شويه ) تلك التي لطالما غنيتها ببهجة مشتركة بينك وبين محبيك الملايين . لعله ذنب العشق الذي يحوّل الراشدين إلى أشقياء بِيض وأطفال مسنين ، ذلك الذي جعلنا مؤمنين على طول الخط أن الألم ، كل ألم ، يعتوركَ ، أبدا لن يكون ذلك الذي ينتهي إلى السفر السماوي الأخير . ثم أنك ساهمتَ بشكلٍ كريمٍ في غفلة محبيك ، إذ بقيتَ تغني لهم لخمسين سنة وزيادة ( قلنا ماممكن تسافر ) وها أنت تفجأهم بكسر المحظور الذي حقنته في عروقهم وحشوتَ به سويداء مهجهم . ها أنت تسافر السفر الذي أمضيت خمسون سنة وزيادة ترندح بياناته الشاجبة المطمئنة بصوتك الشجي واللّاهب . يا ( ود اللمين ) يا ( ود مدني ) يا ( شال النوار ) ، يا العامود الأخير الذي تتكئ عليه خيمة الوحدة القلِقة في الوطن الأحلى والأغنى ، الأتعس و الأفقر / السودان . يالمغني الذي جعل الله حنجرته سفينة نوح في نسختها السودانية ، ها أنت تموت دونما توطئة أو إنذار عسكري أو بيان فني أو صحفي لمواطنيك الغارقين في الطيبة والتشرذم والفُرقة في ذات الآن . يا موسيقار العشق وفنان الشجن والوجد ،ياجسراً حافظ على شعرة التاريخ والجغرافيا بين سمرة السودانيين و عروبتهم الحقة . يا بحّة كرّست ناياتها و بريق نجماتها لعقد صفقة الزمان كله بين المقام الخماسي و الاشتغالات الشرقية المشتهاة والرحبة في حنجرة محمد الأمين . ( قالو متألم شويه .. ياخي بُعد الشر عليك ) كيف سيغني السودانيون والعرب هذه الأغنية بعد اليوم ؟ كانوا سيقسمون عليك كما اعتادوا كل مرة ( وحياة ابتسامتك ) فتجيبهم غناءً : ( وحياة ابتسامتك ياحبيبى وحياة عينيك قلبى حاذرك ومن زمان سائل عليك ) لكنما والسفر نهائي و الألم بليغ والابتسام جف ، لكنما وورقة الحياة الاخيرة قد سقطت في ملوحة الضفة الأخرى للأطلسي ، فلا متسع لقسَمٍ هاتف و محِب ، ولا مكان لإسكات الفرقة الموسيقية ، وإسماع الجماهير الغفيرة عتبك الحنون ( يبغني ياتغنو ) . إنهم سيغنون هذه المرة يا ( ود اللمين ) ، وحدهم سيغنون ولن تغني أنت ، إن فرمان صمتكَ الإكلينيكي بمثابة إذن غناءٍ مفتوح منك لهم ، من لحظة شهقتك الأخيرة وحتى مطلع الفجر .