تقدّم الرواية ترف الانكفاء للكاتب السعودي وائل حفظي بطلها ككائن بلا أسم وهوية كأنه منسحب من اللغة لا يرى بوصفه ذاتاً إنما كوجود باهت وهامشي في المجتمع، كذلك متأزم منذ اللحظات الأولى لوعيه، لا بسبب حدث واحد، أنما نتيجة خسارات متكررة شكّلت بنيته النفسية وأعادت تعريف علاقته بالعالم. من موت الأم ثم الأب، يعقبه هجران الأخ، يرسّخ هنا شعورًا دائمًا بالوحدة والحزن إلى أن يغدو الوجود ذاته عبئًا لا معنى له. يعيش البطل حالة اكتئاب لا تنفجر بشكل واضح ومرة واحدة، إنما تتراكم في سريرته فيفقد الرغبة في الحياة، لكنه في الوقت نفسه لا يجد الشجاعة للانتحار. هذا التناقض الظاهري يكشف حالة “الحياة المعلّقة”، حيث تتعطل الإرادة تمامًا. الاكتئاب هنا لا يدفع إلى الفعل، بل يشلّ القدرة على اتخاذ أي قرار حاسم، فيغدو البقاء فعلًا سلبيًا لا اختيارًا واعيًا. ضمن هذا السياق يتشكّل “الاكتفاء الذاتي” الذي تصفه الرواية. غير أن هذا الاكتفاء لا يُقرأ كقوة أو استقلال، بل كآلية دفاعية قصوى. البطل يقرف من أي معروف قد يُقدّم له، لا ازدراءً للآخرين، بل لأن المعروف يفتح باب العلاقة، والعلاقة عنده مرادف محتمل للألم. هو يختار الانغلاق لا كراهيةً بالعالم أحياناً، بل خوفًا من تكرار الخسارة فتقليص العلاقات، وتخفيف التوقعات، والتحلل من أي تبادل إنساني، كلها وسائل لضمان أقل قدر ممكن من الجرح. تصل هذه العزلة إلى ذروتها حين يتحول الانسحاب إلى فعل عنيف. مثل القتل الذي لا يُقدَّم كجريمة لها دوافع واضحة، بل كانفجار داخلي متأخر. اختيار الضحية ليس اعتباطيًا؛ فهي كائن ضعيف، هامشي، غير مهدِّد، يشبه البطل في هشاشته ووحدته بالقتل لا يواجه مصدر ألمه الحقيقي، بل يوجّه عدوانه نحو أقرب صورة تعكس ضعفه، هنا يتحول الاكتئاب من حالة داخلية صامتة إلى فعل خارجي لا أخلاقي. بهذا الفعل، تسقط آخر طبقة من “البراءة السلبية”. لم يعد البطل مجرد ضحية للخذلان والمرض النفسي، بل أصبح فاعلًا للشر. الرواية لا تبرّر الجريمة، ولا تقدّمها بوصفها خلاصًا، بل تكشف من خلالها فشلًا وجوديًا شاملًا: فشل في الحياة، وفشل في الموت، وفشل في الحفاظ على الحد الأدنى من الانتماء الأخلاقي للعالم. في أفق أوسع، يمكن قراءة هذه الحالة بوصفها انعكاسًا لمناخ معاصر تعيشه أجيال جديدة، وعلى رأسها جيل زد، حيث تتضخم الفردانية ويتراجع الإحساس بالروابط المستقرة. غير أن الرواية لا تمثّل جيلًا بعينه، بل تلتقط هشاشة وجودية عامة: ذات تُترك وحدها لصناعة معناها دون سند، فتتحول الفردانية من خيار إلى مصيدة. الاكتئاب والعزلة هنا لا يعودان مرضين شخصيين، بل أعراضًا لفراغ المعنى وانقطاع الأفق الجماعي. تنجح الرواية في تقديم شخصية لا تطلب التعاطف السهل، ولا تمنح القارئ طمأنينة أخلاقية فيتوقع القارئ آي فعل صادم طوال قراءة النص الروائي، ويبدأ يسأل حول الحالة الوجودية من خلال البطل، ماذا يحدث للإنسان حين يُجبر على الاكتفاء بذاته طويلًا، دون اعتراف، ودون شبكة أمان، ودون معنى يتجاوز حدوده الفردية؟ إلى أن يتشكل لدى القارئ وعي بأن العزلة، حين تطول، لا تُنتج سلامًا داخليًا، بل قد تؤول إلى عنفٍ أعمى لا يجد طريقه إلا إلى الأضعف. * ماجستير في الأدب المسرحي.