في « سيرة من رأي» للدكتور عثمان الصيني ..

حضور الوجدان وانتباهة الدهشة .

كان طفلاً يبيع الصور التذكارية في بسطة له -أمام الصفا- وشاباً يافعاً يرتاد مكتبة عبدالله بن عبدالله -رضي الله عنه- قبالة دكان والده؛ النشأة التي منحته امتلاك هذه المَلَكة الثقافية والأدبية التي منحتنا «سيرة من رأى» وفيها استطاع الربط ربطاً فريداً بين الزمكان الحسي المدرك للعيان والمتخيل المتصور في الأذهان؛ صانعاً منهما عالماً متكاملاً ثلاثي الأبعاد وأحياناً خماسيها، اللون والصوت والصورة ودفء المشاعر وحميمية العلاقات؛ فخط لنا سيرة خلَّاقة نقلتنا من الحيز الحسي الضيق المحدود إلى الزمكان المتصور المتخيل الواسع الممتد.  وهكذا انتقلت بنا الأحداث والوقائع في سردية تتجاوز الفردية إلى الجمعية، وتخلَّصت من الاعتبارات المعجمية إلى التاريخية والروائية؛ ومن الفضاءات الوظيفية الحسية إلى جمالية وجدانية أخاذة؛ منتجة بهذا التحول مكاناً متأنسناً تسكنه تجربة الإنسان.  والكتاب نزهة عاطرة فريدة جاء بها مؤلفها في (٣٣٢) صفحة؛ أقامها في فصولٍ متضافرة متعانقة تتجاوز العشرين فصلاً؛ وفيها امتزج العابر بالخالد، والواقع بالخيال، والزمان المرسل بالجمال الساكن في أعماق الوجدان.  وبطباعته قامت جمعية أدبي الطائف ضمن إصداراتها الحديثة مشكورة ميمونة. وفيه حكى مؤلفه أستاذنا النبيل القدير سعادة الدكتور/ عثمان الصيني سيرة شجيَّة جسَّد فيها رموز التاريخ وأمناء الثقافة وأرباب الأدب وقائلي الشعر وأصحاب الفن -من رأى منهم ومن سمع عنهم- وكان لهم الأثر الطيب المبارك في وجداننا الشعبي الواسع ومخيالنا الثقافي الممتد.  أهم فصول الكتاب وأهم ما جاء فيه:  •سيرة المشهد الثقافي: وفيه أفاض حديثاً -كأنه الورد- عن الروافد التي أمدت المشهد الثقافي بروافد ثقافية ممتدة؛ ومنها: الصحف المحلية «الندوة، البلاد، المدينة، عكاظ» والمجلات المصرية واللبنانية، ومنتدى مسجد الهادي، ومكتبة مسجد العباس، ودكان السيد علي اليمني الذي كان مركز تثقيف لأبناء الطائف والقادمين إليه من نجد ومدن الحجاز. ومكتبة الثقافة، ومكتبة المعارف، ومكتبة الجيل الجديد، ومكتبة المعرفة، ومكتبة السيد المؤيد الحسني. وأصدقاء الكتب. وأحسب أن حاضر القلب لن يتمالك ماء عينيه عند قراءة حديث المؤلف عن «أصدقاء الكتب» وتحديداً عندما سأل صديقه عبدالعزيز الخريّف عن أخيه عبدالله فأجابه ببيت شعر يفيد أنه قد مات:  أُخيَّين كنا فرَّق الدهر بيننا  إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا.  ولم تكن السيرة في هذا الفصل حكراً على المشهد المحلي فحسب؛ بل كانت سيرة المشهد العربي ومسرحاً سردياً لقضاياه الساخنة آنذاك.  وفيه حديث غاية الأهمية عن السيرة الذاتية والمجتمعية أن أفاض المؤلف في حديثه عن عمله المبكر في فهرسة مخطوطات مكتبة مسجد عبدالله بن عباس وعن النجاح المبارك داخل المملكة وخارجها؛ والذي أشاد به عميد الكتب والمكتبات في السعودية الدكتور يحيى ساعاتي أن قال: ( لنا أن نعتبر ما قدمه عثمان الصيني مفتاحاً يسر لنا الولوج البيئة العالمية التي كانت تسود منطقة الطائف في القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر).  •وفي تقديري أن الفصل الذي اسماه أستاذنا د. عثمان «حينما أصبحت وهابياً» يصلح سيرة للمشهد الثقافي في مكة المكرمة؛ وبه يتوازن المشهد الثقافي في الطائف مع المشهد الثقافي في مكة ومن خلاله امتدت مشاهداته إلى المشهد الإسلامي.  •السيرة الفنية وما جاء متصلاً بها من فصولٍ وأحاديث هي من العزيز الذي امتازت به «سيرة من رأى» وربما هي من المشاهدات النادرة والأخبار الحصرية التي أغفلها التوثيق في مظانها وقعد عن تقييدها أهلها. •براعة الحديث وتفصيلاته الدقيقة عن الملابس والأزياء وتفنن المؤلف في جلاء أنساقها الثقافية المضمرة في سياقاتها الثقافية والاجتماعية أمر لافت؛ حتى أنني ظننت أن أستاذنا يتصل بصناعة النسيج اتصالاً تجارياً أو مهنياً سابقا.  •الفصل الذي تحدث فيه المؤلف عن «دار التوحيد وتاريخها» حديث نفيس بديع؛ فيه من الأشجان وبواعث الوجدان الكثير الكثير. وأحسب أن مرحلتها مرحلة تحول نوعي لسيرة المؤلف ولسيرة مشهدنا الثقافي بأسره. •سيجد القارئ في فصل «تيارات فكرية في الكلية» وفي فصل «الحداثة في سياقها» حديثاً يشع اعتدالاً واتساعاً ونُبلا عن بوادر الحداثة وسياقاتها وعن المدارس الثلاث الرائجة آنذاك في جامعة أم القرى «المصرية والسورية والحجازية» وممثليها من العلماء والمفكرين أعضاء هيئة التدريس؛ جاء بها المؤلف في سياقٍ واعٍ متنزِّهٍ عن التحيز والتجريح برغم الألم الذي انداح بين السطور عند حديثه عن المعاناة التي قاساها أمام عمادة كليته واشتراطها الشرط تلو الآخر في سبيل موافقة مجلسها على  مناقشة الدكتوراة، وانتهت به إلى اشتراط أن يكتب لها عقيدته!! ولله أن العقيدة التي حررها لمجلس الكلية وأثبت نصها في نهاية الفصل وسام شرف له ودليل على إلتزامه وتقواه برغم الجور والعنت الذي لاقاه. •ختاماً: •اشتمل هذا الكتاب على موردٍ «أنثروبولوجي» غزير؛ حقيق بالباحثين والنابهين والمهتمين تناوله بالدرس والمطالعة والتحليل. •من تأمل أحاديث الكتاب ومرويات المؤلف وأخباره التي انتخبها؛ يتيقَّن أنه أمام أديب عظيم الإحساس؛ منحه نباهة الشدهة وانتباه الدهشة ومنهما ارتسمت «سيرة من رأى» في وجدانه العميق ولم يستطع الزمن محوها رغم تعاقب الأزمنة! •شابه المؤلف نفسه وأهل الطائف المبدعة؛ كلاهما في تنوعٍ آسر وتعدد أخاذ «في العلاقات والمواهب»؛ مما انعكس على القدرات والتجارب المعاشة. •يحضر «الوجدان» في مرويات د. عثمان الصيني بصفته ينبوع الإبداع ومصبِّه. ومن قرأ «سيرة من رأى» بعين البصيرة رأى هذا الحضور محور السيرة ومدار فلكها؛ فكل ما يأتي على شهوده يفيض به من وجدانه ويبرر له من وجدانه ويتوسل إليه بوجدانه! لم يكتب أستاذنا د. عثمان الصيني هذه السيرة بصفته شاهداً على العصر فحسب، ولا لكونه واحداً من أبناء الطائف ومكة فقط، بل لهذين الاعتبارين ولذاك الحس الإنساني العميق في وجدانه، وللمسؤولية الثقافية التي كانت استقرت في وجدانه منذ نعومة أظفاره إلى أن صار أستاذاً من أساتذة الجيل وعلماً من أعلامه النبلاء.