ضمن شتاء فنون أبها..

معرض «ميموريا» الفوتوغرافي يوثق الذاكرة الإنسانية.

كجزء من مشروع شتاء الفنون الذي استضافته جمعية الثقافة والفنون في أبها على مدى ثلاثة أشهر في أحد المراكز التجارية، قدم مؤخراً المعرض الفوتوغرافي للفنان السعودي المعروف محمد محتسب، في تجربة بصرية ثرية أكدت حضور الصورة بوصفها ذاكرة إنسانية عابرة للزمن والمكان. وضم المعرض أكثر من خمسة وعشرين عملاً فوتوغرافياً، شكلت مجتمعة بانوراما إنسانية واسعة تستعرض تنوع الثقافات والبيئات والتجارب البشرية حول العالم، لتسافر بالزائر من بيئة إلى أخرى، وتفتح أمامه نافذة للتأمل في التنوع الإنساني وجماليات الحياة اليومية. المعرض الذي حمل عنوان ميموريا لم يكن مجرد عرض بصري تقليدي، بل رحلة فنية تأملية تهدف إلى استكشاف العلاقة بين الإنسان وذاكرته، وبين المكان واللحظة العابرة. ففي كل صورة ينجح محمد محتسب في التقاط جوهر الشخصية الإنسانية، كاشفاً عن عمقها النفسي والاجتماعي، ومحولاً المشهد اليومي إلى وثيقة بصرية نابضة بالحياة والمعنى، تعكس تجربة إنسانية متجددة تحاكي المشاعر والتجارب المشتركة بين البشر.وتأخذنا عدسة الفنان في ميموريا إلى عوالم متعددة، حيث تتلاقى الثقافات وتتقاطع الأزمنة، في حضور واضح للتراث والتقاليد الشعبية التي تمنح المجتمعات خصوصيتها وهويتها. ويبرز في الأعمال المعروضة اهتمام الفنان بتوثيق التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تمر عابرة، لكنها تشكل في مجموعها ذاكرة جمعية تحفظ ملامح الإنسان في لحظاته الأكثر صدقاً وعفوية، وتدعو المشاهد لإعادة اكتشاف الجمال في أبسط الأمور اليومية.كما يقدم المعرض قراءة فنية لفكرة الزمن، حيث لا يظهر الماضي منفصلاً عن الحاضر، بل متداخلاً معه في بنية الصورة وتكوينها، بما يعكس رؤية فنية تعتبر التصوير وسيلة للتأمل في التحولات الإنسانية والاجتماعية. وتتحول الصورة الفوتوغرافية هنا إلى مساحة حوار بين المشاهد والعمل، تدعوه للتوقف والتأمل وإعادة اكتشاف المعنى الكامن خلف الوجوه والأماكن. ويؤكد ميموريا على أهمية الحفاظ على الذكريات الحية والهويات الثقافية في عالم سريع التغير، كما يطرح تساؤلات حول دور الفن في مواجهة النسيان وقدرته على توثيق التجربة الإنسانية بصرياً. ويعكس المعرض أيضاً وعياً بأهمية كسر الحواجز بين الفن والتكنولوجيا، من خلال توظيف الأدوات الحديثة لخدمة الرؤية الجمالية والرسالة الإنسانية، مع الاحتفاظ بروح الفن التقليدي والإنساني في الوقت نفسه. ويأتي هذا المعرض ضمن سياق الحراك الثقافي والفني المتنامي الذي تشهده مدينة أبها، وفي إطار الدور الفاعل الذي تقوم به جمعية الثقافة والفنون في دعم الفنانين السعوديين واحتضان التجارب الإبداعية وتوفير منصات عرض تفاعلية تمكن الجمهور من التفاعل المباشر مع الفنون البصرية. وتسعى الجمعية من خلال برامجها ومشاريعها ومنها مشروع شتاء الفنون إلى توسيع دائرة التلقي وتعزيز الذائقة البصرية ونشر ثقافة الفنون في الفضاءات العامة بما يرسخ حضور الفن في الحياة اليومية ويؤكد دوره بوصفه عنصراً فاعلاً في التنمية الثقافية والمجتمعية.ليؤكد ذلك مكانة أبها كمدينة حاضنة للفنون والإبداع وفضاء مفتوح للحوار الثقافي، حيث تتقاطع التجارب الفنية مع الذاكرة والإنسان في مشهد يعكس حيوية المشهد الثقافي السعودي وتطوره المستمر، ويجعل من المدينة منصة مهمة للابتكار والإبداع الفني على مستوى المملكة.