قراءة في ديوان الشاعر محمد إبراهيم يعقوب ( لأنها الغابة كان ينتظر نهراً أونيزكاً)..
سيرةٌ شعريّةٌ تَمتح من بئر الوعي وتنشر محتوياتها على الآفاق.
قسّم الشاعر ديوانه إلى خمسة كتب كما سمّاها : الطبائع والذوق و التعليلات الناقصة و النفس و النبوءة ، وهي في مجملها – فيما أرى – قراءة موغلة في عوالمه الخاصة ، وقد بدأ بكتاب الطبائع ، وقدّم له بمُقتَبس من أقوال الشاعر (جون كيتس) أشار فيها إلى أن الشاعر ليس ذاتاً ولا قريناً ؛ بل هوخارج نفسه في فضاء التغيير. بدأ بقصيدة عنوانها (قائمة خاصّة بي) وهي قصيدة طويلة بدا فيها وكأنه يقرأ ذاته كتاباً مفتوحاً ، يقلّب صفحاته ويبوح بأسراره يتهجّاها سطراً سطراً يفتتحها بالبسملة الأولى ، يسترق النظر إلى ما خفي في زواياها منذ الخفقة البكر، يلثغ بالحب خفقةَ قلبٍ غامضة ولَذةً ترقبها عين متخيَّلَة (الحرّاس مجاز) استهلال يمتَح من ذاكرةٍ بكرٍ تفتح بابها على مصراعيه في همس شفيف، ومدخَلٍ غير مُوارب ولا مُرتاب ، يمضي خطوةً خطوة ويتنقّل كالنحلة بين الورود، ينهل منها رشفةً رشفة ويتغنى بالمتعة فيها ، فهذه نارُه المقدّسة تشتعل خلسةً بلاغاية . “ أسرق ناري/ الغاية غامضة/ أسرف ثانية في لوم النفس” ينفتح الشاعر على (أُفُقٍ إبداعيٍّ) باحثاً عن رؤيته للعالم، سادراً في مغامرته الشعريّة ، منفتحاً على أفق الغموض يشُقُّ أسداله بأسئلته الحيْرى معترفاً بالخيبة يداريها بالكلمة الشاعرة التي لا تفنى ؛ فهي الباقية بحثاً عن الخلود وتحقيق الكيْنونة ؛ وربما يخطر على البال سؤال : لماذا هذا التقرير و الشعر يداري معاني البوح بالغموض ، ويستر العوْرات بالمجاز ؛ والجواب حاضر في أسرار الصياغة وفنّ التشكيل ؛ فهو يتمثل في عفويّة الإفصاح وجرأة التعبير (الشعر مغامرة كبرى) واقتران المجاز عبر التشخيص بخشونة التقرير ؛ حيث تنتج المفارقة في الصياغة و فن القول وجمال الانزياح (الأسئلة اليقظى ىشكٌّ صحّي) ونَثريّة التأويل (أريد كتابة شيء ما) والمزاوجة بين النفي والإثبات في تداول المعنى وانتزاع الدلالة ، والخبر و الإنشاء استفهاماً وتقريراً، والتأمل العميق في سراديب الذات وانتشال الاعتراف في تداعيات تنثال بلا ترتيب مسبق ولا حذر مصطنع ؛ فيه حميميّة الصدق وجرأة الاعتراف : “كنت بسيطا ً/ هل يرثي الإنسان بساطته الغضة “ ويمضي في تداعياته مُستذْكراً في لقطات وامضة تصويراً واعترافاً لحظات تومض كالبرق ، وتتنقل بين محطّات شتّى ، تبدو وكأنها قَبَساتٌ من جمر المعاناة وتداول اللحظات والمواقف والرؤى و الانعطافات ، سيرةٌ شعريّةٌ داخليّة ، تَمتح من بئر الوعي وتنشر محتوياتها على الآفاق بلا تجاوز محظور و لا تباهٍ مملول ،ويمضي الشاعر في تقرّي تضاريس ذاته زماناً ومكاناً طبيعةً وكوْناًٍ وإنساناً ، يفنى فيها ويتوحّد بها في تماهٍ صوفيٍّ بادئاً بالجذر تأصيلاً وتمكيناً (أمي حصة قلبي) والديرة منشأًً وتكويناً(جازان فناءٌ خلفيٌّ للنص) ثم اعتراف شفّاف بالكفاف في صورة كنائيّة تمثيلية رائقة (للفقر فصاحة شيخ قاسٍ لم تمهلني) وتعالقٌ كونيُّ يتقاطع مع فطرة سويّة وتواصل حميم (البحر صديقي) وهويّة وجودية دالة (السمرة تشبهني ملمحاً و غموضاً) ويمضي الشاعر في قصيدته على هذا النحو متتبّعاً ملامح شخصيته قارئاً لتفاصيل طبائعه وسماته، مستثمراً تلك الظواهر الجماليّة اتي أشرت إليها كاشفاً بتلقائية عبر عدولٍ في التشكيل اللغويّ والإيقاعيّ مستثمراً التشتّت النظيم و التتابع المستقيم، مرتقياً درجات السلّم الشعريّ الذي أشار إليه صلاح فضل في كتابه عن أساليب الشعريّة العربيّة . تنثال في قصائد هذا الجزء من الديوان استقراءات باطنيّة تتداخل فيها الاعترافات المباشرة والصور الكنائية عن الذات الشاعرة في أبيات عمودية يعيد الشاعر ترتيبها في فقرات ، تُوزّع فيها الجمل على السطور على نحوٍ يوحي بأنها من شعر التفعيلة بينما هي موزونة مقفاة وإن شابها شيء من التجاوز الوزني على بحر خليلي في بحرٍ يتتظم فيه البوح ويتسع لخطرات التأمل و الاستبطان ، يستقصي عوالمه الدخلية وطبائعه الانيّة كما ورد في عنوان هذا الجزء من الديوان ؛ وهو وإن كان يمضي في تشكيله وفق نفسٍ حداثي يتقاطع مع بعض خصائص القصيدة التراثية فيما يشبه التذييل في نهاية أبياته ( لا معارك تحشد ، كل غيث ينفد، لم يفتني موعد، ألذ الحب ما لا يقصد) على سبيل المثال ، وكذلك المنحى الكنائي في بناء الصورة ، وهو ما يتّسق مع منهجه في التشكيل عبر الإيحاء و الإيجاز و التمثيل : “والشعر/ حظي كله/ الأسباب غامضة/ الحب ما لايقصد” جمل وامضة قصيرة مختصرة ، تِلغرافيّة ، اعترافيّة لا تخلو من غموض شفيف قريب المتناول، يكاد يلامس حدّ البوْح الصريح ما يمنحه وضوح الدلالة وصدق الصراحة ، وهما لبُّ الشعريّة في مثل ها القول المُسَخَّر لاكتشاف أغوار الذات وقراءة بواطنها. تتكاثف الخواطر وتتعمّق القراءة وتتكاثف الرؤى ، يضيق عنها الوزن فتحتاج إلى فضاء أوسع للبوح فتنفرج المساحات البيضاء لترتع فيها الخواطر المتدفّقة ، فالجمل شلالات، لا تعيقها الأوزان ولا تعقِلها مستلزمات الإيقاع الظاهر فتسري في عروق لغةٍ تتمرّد على مواصفات الشعر ومحدّداته؛ ولكنها تستلّ خصائصه ونكهته ، فيجد القاريء نفسه في القارب الذي تطوّح به رياح البوح بلا عائق كما في قصيدته (الكائن في الظل ) التي تتشكّل عبلر فقراتٍ نثريّة الشكل طويلة متعدّدة ،منفتحة هلى آفاق بلا حدود ، يجترح فيها الشاعر نهجاً منعتقاً من محدِّدات الشعر والنثر في صورتها التقليديّة؛ فجُمَله -وإن بدت كطلقات الرصاص منفصلة بعضها عن بعض - تهدف جميعاً إلى إصابة الهدف لا تخطئُه وإن ابتعد عن مرماه ؛ فهو يصيب هدفه في ما يحدثه من صدىً ، ولعلّ عبارته التي أجتزٍِئها من سياقها “ الصرخة لن تحدث فرقاً في هذا الليل” دليل على ذلك ؛ فالشاعر يمزج بين حقائق تاريخه الشخصيّ وعلاقاته التي تمتدُّ من محيطه العائلي حتى فضائه الكوني في تشابك متّصل تتناسج خيوطه لتشي بحقائق الذات وعوالمها الداخلية ، مُستثمرا ثنائية الظلّ و النور في كنائيّة مقصودة للإيحاء بعلائقه مع (من وما) يحيط به متغلغلاً في سديمٍ يحاول أن يستبين موقعه منه : “ إرثي نقص في كل تفاصيل العائلة، علاقات يومياتي سيئة بالبحر ، أظل أعيد على رأسي الأسماء لأنسى معظمها، مغروزة في لحم نيّء ضد نوازع غائرة، أتسلّى بالعزلة، لن أغفر قطعا لذي القربى شبهة قتل” يمضي الشاعر في نصٍّ طويل متقرّياً ملامح الذات باطنها وظاهرها ، وما ينجم عن جدلية العلاقة بين وعي ظاهر وآخر باطن في مزاوجة فريدة بين البوح المنفلت من عقاله ، والمرمى المتدثّر بعباءة الوعي ليفصح عن رؤيته شاعراً لم يتنكّب طريق الشعر وفوضى المشاعر، وهيمنة الرؤيا وعالمها المتغلغل في مفاصل اللغة المختارة في انسجامها مع ضبابيّة البوْح وجلاء مكنوّنات الوعي . يصف منهجه الشعريًّ فيرتد بقارئه إلى تصوّر رومانسيّة تمثّل روّادها وهج النبوّة واستشرافاتها، في قصيدة (ميلاد شاعر) لعلي محمود طه يقول فيها عن الشاعر : هبط الأرض كا الشعاع السني بعصا ساحرٍ و قلب نبيّ لمحة من أشعة الروح، حلّت في تجاليد هيكل بشريّ وذلك في قوله: “ سرقت نار الكلام/ من لغة شفّافة في مدونات نبيّ” وقد مضى الشاعر في تتبّع الاستقراء الداخلي قارئاّ لطبائعه متغلغلاً في تقصّي ملامحه الداخليّة في مزاوجة بين لغة مجازيّة تارةً وعاريَة من المجاز تارةً أخرى ، يتعمّد فيها خشونة الوضوح وتعرية المعني مستعيراً لمفرداتها من حقول معرفيّة غير ذات صلة بالشعر في مثل قوله : “عن نقطة الضعف لي دوافع / لا عنها تركت الصبا /ولم تشب” وهذه المزاوجة بين الحقول و الألفاظ المستعارة من معجم تنتمي مفرداته إلى دوائر خارج نطاق الشعر ، في تقريريّة محاطة بأسوار المجاز حيث (الدوافع التي لم تشب) وفي حواريّة تلامس خطاباً فلسفيّاً موغلاً في اختراقاته التجريدية و إشاراته الذهنيّة : “أعيد تعريف ما أشك به / بلذة التائهين في عصبي وقلت لن أستفزّ/ قال شجىً / ما لم تثق بالحياة لم تخب” ويمضي على هذا النحو في اختياراته اللغوية مُفصحاً عن رؤاه مُستقصياً اقتناعاتها الذاتية في مزيج من البوْح المباشر الذي يقترن بمجاز يوغل في صميم الباطن و الظاهر ، مُفصحاً عن دواخله وما يعتمل فيها متمسكاً بالقافية، مُتّقياً الانزلاق في وهاد النثرية الخالصة التي تتابّى على الانفكاك من شعريتها الغنائية، وتشبّثها بعلائق فلسفيّة ذاتية إذا صح التعبير ، بعيداً عن مظنّة التسويغ و التبرير ؛ فالشاعر متمسّك بنهجه التعبيريّ الخاص الذي يتمرّد على المألوف ويصرّ على صياغة شعريّته الخاصة التي أشرت إلى بعض ملامحها التي لا تكفُّ عن استثمار مصطلحات ناشزةٍ عن الشعر موغلةٍ في المصطلح العلمي كالكيمياء و الأدرينالين ، وهو هرمون ناقل عصبي تفرزه غدّة الكظر الواقعة فوق الكلية، يعمل على زيادة نبض القلب وانقباض الأوعية الدمويّة استشعاراً لأعمال ينتج عنها إجهاد و انفعال . وفي انثيالاته الحرّة التي يتركها الشاعر تتحدّر دون ما يمكن أن يعقِل تدفّقها تطول قصائده ، فهي سادرة في بيان مقصادها والكشف عن خفايا الذات الشاعرة دون عائق ، لها إيقاعها الخاص الذي يلوذ بالعدول في صياغاته اللغوية دون عائق ، وفي تقسيم الديوان إلى مايشبه الفصول الشعرية أجد من الممكن أن أكتفي – في هذه المقالة بقراءة هذا الفصل من الديوان على أن تتاح لي فرصة العودة ثانية لقراءة بقية الفصول .