عرفت الدكتور جاسر بن عبد الله الحربش قبل نحو خمس وأربعين سنة كاتباً يغلف كتابته بالسخرية اللاذعة - بجريدة الجزيرة - وبالذات عندما قرأت رده على الكاتب أحمد محمد جمال ينعى فيه أنور السادات بعد مقتله تحت عنوان: (اذكروا محاسن موتاكم)، فرد عليه الحربش بمقال طویل ساخر: «.. ماذا نذكر عنه إلا سوء عمله بشق الصف العربي والتطبيع مع العدو الصهيوني..» قابلته في مستشفى الملك خالد الجامعي وعالجني، واستمرت علاقتي به حتى الآن، وتزاورنا، وكثرت لقاءاتي به بعد تقاعده بمركز حمد الجاسر الثقافي، وبعد انقطاعه عن الحضور رغبت بزيارته مع الصديق يعرب خياط للإطمئنان عليه، وتم ذلك مساء الثلاثاء 9/ 12/ 2025م فوجدناه على غير المعتاد يتوكأ على العصا ويمشي بصعوبة، ويشكو من ضعف السمع، وكل هذه الشكوى يعيدها إلى التطعيم الذي تم قبل بضع سنوات بسبب جائحة الكورونا (كوفيد 19). طمأنني أنه يقرأ ويتابع ما ينشر أو يذاع من مقالات ونشاطات ثقافية، وأشاد بما أكتبه من محاولات وسير لبعض (أعلام في الظل) قلت إنني بحثت عن ترجمتك في الكتب فلم أجد، وأنني أرغب في الكتابة عنك، فتمنع، ولكني أصررت عليه وقلت إنني سبق أن سجلت معك ضمن برنامج (التاريخ الشفوي) عندما كنت أعمل في مكتبة الملك فهد الوطنية بتاريخ 25/ 12/ 2024م، فليتك تزودني بسيرة مختصرة أضيفها لما سبق . بعد أيام زودني مشكوراً بما يلي: - محل وتاريخ الولادة: الولادة البيولوجية في مدينة الشقيق (تهامة) الولادة حسب التوثيق الرسمي المسجل في مدينة الرس في القصيم - العمر: استقراءاً بأثر رجعي من سنين الدراسة ١٣٦٢ هـ (١٩٤٢م) - النشأة وبداية التعليم: وصلت مع أخي عبدالرحمن الذي يكبرني بثلاث أو أربع سنوات إلى مدينة الرس في سن الرابعة وكان ذلك أول ترحل لي في تجارب الترحال المتكررة . والدي رحمه الله كان مثل كثيرين غيره في ذلك الزمن يتنقل داخل المملكة في طلب الرزق حتى استقر به المقام في تهامة وتزوج هناك . من أكبر نعم الله علي أن رزقني بالعم جاسر سليمان الحربش شقيق والدي المقيم في مدينة الرس تغمده الله بواسع رحمته . آنذاك وعمري أربع سنوات لم أكن قد ختنت بعد وكانت تلك تجربة الألم القصوى التي مررت بها ربما في حياتي كلها حيث تم الختان بالطريقة التقليدية بدون تعقيم ولا تخدير. في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى في الرس أحسست بالشعور كطفل بالاقتلاع الجغرافي والغربة البيئية ، ليس في بيت العم جاسر وزوجته الفاضلة أم سليمان أسكنهم الله وارف جناته ، وإنما بالغربة مع أقراني في السن حيث كان الاختلاف كبيراً عما قد التصق بذاكرتي عن ملابس ولهجة سكان منطقة تهامة لكنني سرعان ما تأقلمت وتم قبولي بين أقراني في السن كزميل رساوي أصيل . بعد إتمام الابتدائية والمتوسطة في الرس انتقلت مثل كثيرين من أقراني إلى مدينة الرياض والتحقت بالمعهد العلمي للدراسات الشرعية واللغوية ، لأن المعهد كان يدفع مكافأة شهرية للطلبة في حدود المائة والخمسين ريالاً في الشهر على ما أذكر . لم تدم الفرحة طويلاً إذ صدر في ذلك العام توجيه ملكي من الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله بفصل كل الملتحقين بالمعهد العلمي في ذلك العام بعد ملاحظة انخفاض أعداد الملتحقين بالمدارس المتوسطة والثانوية مما يترتب عليه انخفاض أعداد الخريجين الذين تحتاجهم الدولة مستقبلاً للإدارة والتنمية والعلوم بدرجة لا تفي بحاجة الدولة التنموية. في العام نفسه توظفت في وزارة الدفاع ككاتب تأدية في الإدارة المالية وواصلت الدراسة للمرحلة الثانوية في إحدى المدارس الليلية التي كانت منتشرة آنذاك في المدن السعودية الكبرى . في منتصف السنة الثالثة من المرحلة الثانوية قدمت استقالتي من الوظيفة الحكومية والتحقت بمدرسة اليمامة الثانوية بالرياض لأنني كنت أتطلع مثل أكثر زملاء المرحلة آنذاك للحصول على بعثة دراسية في الخارج . سارت الأمور بفضل الله على هذه البلاد الغالية ثم بفضل التسهيلات الكبيرة والمبكرة التي بدأها الملك المؤسس عبدالعزيز طيب الله ثراه للتوسع في ابتعاث أعداد كبيرة من أبناء المملكة النابهين إلى الخارج للدراسات العلمية والإدارية والتقنية . سارت الأمور على ما كنت أطمح إليه ونجحت في الثانوية العامة بترتيب الخامس والعشرين على مستوى المملكة آنذاك وحصلت مع عدد كبير من الزملاء على الابتعاث لدراسة الطب في ألمانيا الغربية في بداية العام ١٩٦٠م . قد يكون من المفيد والاعتبار للأجيال المرفهة الحالية أن أتعرض قليلاً للظروف التي كان فيها الطموح الوطني عند الشباب والتخطيط الحكومي المبكر الدقيق تدار باقتدار مدهش في سني البدايات رغم شح الإمكانيات آنذاك . كطلبة أو لنقل كتلاميذ قادمين بالمئات من الأطراف والقرى إلى المدن الكبيرة مثل الرياض وجدة للعمل والدراسة كنا نسكن جماعات في إحدى الدور القديمة بالإيجار ، نطبخ طعامنا ونغسل ملابسنا بأنفسنا ونذاكر ليلاً في المساجد القريبة لأن الإنارة الكهربائية المتوفرة في المسجد لم تكن متوفرة في البيوت المستأجرة . يسر الله النجاح والحصول على الابتعاث فبدأت وكثيرون غيري لكي نتدرب على استعمال الملابس الغربية بشراء بعض البناطيل والقمصان من شارع الثميري وسط الرياض . الانطلاقة الأولى لطلبة الابتعاث إلى الغرب كانت تمر أولاً بمدينة القاهرة في مصر لبضعة أيام بهدف التعرف على استخدام السكين والشوكة وتعلم ما كنا نحسبه من مهارات الإتيكيت للتعامل في بلاد الخواجات . حطت بنا الطائرة (وكنا على ما أذكر خمسة زملاء في الرحلة نفسها) في مدينة جنيف في سويسرا حيث يقيم الملحق الثقافي السعودي لكامل أوروبا لإنهاء الإجراءات المطلوبة عند الملحق الثقافي المربي الفاضل المرحوم محسن باروم ، ثم من هناك إلى مدينة فرانكفورت في ألمانيا الغربية . - بداية المسيرة في ألمانيا: أولاً تعلم اللغة الألمانية في أحد معاهد جوته لمدة ستة شهور يليها القبول في أحد الجامعات لاستكمال سنة تحضيرية كاملة لدراسة أعمق في اللغة والمصطلحات العلمية ، وكانوا يطعمونها ببعض المعلومات من التاريخ والحضارة الألمانية . بعد نصف سنة في معهد جوته وسنة تحضيرية في جامعة مدينة ماينتس (Mainz وهي المدينة التي اخترع فيها مواطنها يوهان جوتنبيرج الطباعة الآلية ولها متحف هناك) بدأت الدراسة الفعلية للعلوم الطبية . أكملت المرحلة خلال المدة المحددة لفصلين دراسيين ونجحت بتفوق . لأن الموصى به علمياً في ألمانيا هو التنقل حسب المراحل الأكاديمية بين عدة جامعات مختلفة للتعرف على مختلف المدارس الفكرية الألمانية انتقلت من ماينتس إلي جامعة مدينة إيرلانجن (Erlangen) حيث أكملت المرحلة الثانية (ما قبل المرحلة الطبية الاكلينيكية) ، ثم انتقلت للمرحلة الاكلينيكية إلى جامعة مدينة هايدلبيرج المعروفة وحصلت على شهادة البكالوريوس بتقدير ممتاز في الطب العام . لأن مرحلة الامتياز في المهنة الطبية في ألمانيا تتطلب العمل لمدة سنتين وليس سنة واحدة كما هو مطبق في دول أخرى ومنها السعودية أكملت السنتين كممارس تحت الإشراف (طبيب امتياز) في مواد الطب الباطني والجراحة والنساء والولادة والتخدير . كان ذلك مسك الختام ثم العودة كطبيب عام غير متخصص إلى الوطن . - مرحلة العودة إلى الوطن كطبيب عام غير متخصص: حملت كتبي وبعض حاجياتي في سيارة رينو كنت قد اشتريتها في السنة الأخيرة من مرحلة الامتياز (راتب البعثة + مكافأة شهرية من المستشفى الذي أتدرب فيه للامتياز) ، وانطلقت مع الزميل الدكتور محمد المفرح في سيارته المرسيدس التي اشتراها بنفس الطريقة . رحلة العودة كانت من ألمانيا عبر يوغوسلافيا وبلغاريا وتركيا وسوريا والأردن ثم الوطن الحبيب . عينت طبيباً عاماً في مستشفى الملك عبدالعزيز (مستشفى طلال سابقاً) وكذلك الدكتور المفرح . كان قد سبقنا للعمل في المستشفى نفسها الدكتور فالح الفالح ، وما هي سوى شهور قليلة حتى كنا مجموعة أطباء من خريجي ألمانيا في نفس المستشفى (دكتور الفالح ، دكتور المفرح ، دكتور المعجل ، دكتور الخويطر ودكتور ناصر الشريف) . في البداية كنا نلاحظ عزوف أكثر المراجعين عن الطبيب السعودي وتفضيلهم لزملاء من جنسيات أخرى ثم بدأ الوضع تدريجياً ينقلب لصالح الطبيب السعودي . كانت أكثر العلل في ذلك الزمن الأمراض المعدية مثل الدرن والخراريج الجلدية والهضمية ونوبات الدزنطاريا (الزحار) . لا أزال أذكر ذات يوم انتشر وباء الانفلونزا في الرياض وكان على كل طبيب منا معاينة ما يزيد على مائة مريض في اليوم الواحد ، فكان ما وصفه الدكتور محمد المفرح في كتابه عن سيرته المهنية أن زميله الدكتور جاسر في آخر اليوم نظر إلى المرآة فهاله ما رأى وعلى وجهه من علامات الإرهاق فأنب نفسه ولامها على دراسة الطب . في عام ١٩٧١م وكنت أسكن في ملحق صغير في حي الملز يسر الله لي الزواج الموفق بزوجتي أم عدي الفاضلة التي تحملت ما لا يوصف من شظف العيش معي في ملحق صغير بالإيجار بعد أن كانت قبل الزواج تعيش حياة رغدة مع أهلها في مدينة الخبر في المنطقة الشرقية ، ورزقنا عام ١٩٧٤م بأول مولودة ، ابنتي رشا . - مهمة صعبة غير متوقعة: أظنه كان في موسم حج ١٣٩٢هـ انتشر بين الحجاج في مكة المكربة وباء الكوليرا نقله حاج من أحد الدول الافريقية . ذات يوم جمعة حضر إلى سكني في الملز مندوب من وزارة الصحة ومعه أمر وزاري غير قابل للرد بالتوجه فوراً بطائرة السلاح إلى مكة المكرمة مع فريق طبي كبير للعمل في مكافحة وباء الكوليرا . حاولت التملص لكن المندوب أكد لي أن الأمر غير قابل للرفض وأمهلني بضع ساعة فقط لكي أنقل زوجتي إلى بيت خالها المقيم في الرياض . طارت بنا طائرة السلاح مفترشين الأرضية حيث كنا مجموعة كبيرة من الأطباء والفنيين والمقاعد قليلة . وصلنا إلى جدة ثم إلي مكة المكرمة وبدأ العمل مع الفرق الأخرى لمكافحة وباء الكوليرا في نفس اليوم . بعد ثلاثة أيام من المشاركة في مكافحة الوباء تم نقلنا (وكان معي الدكتور صالح الجمعة) إلى المدينة المنورة للمشاركة في الاستعدادات الوقائية للقادمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وكان المعسكر الطبي في أبيار علي . أقمنا هناك حوالي أسبوعين نفتش ركاب السيارات القادمة من مكة المكرمة فرداً فرداً ليتم احتجاز من تبدو عليه أعراض المرض والسماح للباقين بالدخول للحرم المدني الشريف . تمت السيطرة بتوفيق الله على الوباء بعد عزل مئات المصابين في محجر أبيار علي وعلاجهم وشفائهم ، ولم تسجل أعداد وفيات تذكر . بعد حوالي ثلاثة أسابيع عدت مع زميلي الدكتور صالح الجمعة بالطيران المدني إلى الرياض وكانت زوجتي قد أوصلها الخال الكريم إلى بيت أهلها في مدينة الخبر . - مرحلة التخصص: في منتصف عام ١٩٧٥م حصلت مرة أخرى على بعثة جديدة للتخصص في الطب الباطني في ألمانيا وسافرت مع زوجتي وطفلتي رشا وأكملت سنوات التخصص ورزقنا في ألمانيا بالمولود الثاني الابن عدي عام ١٩٧٨م . بعد العودة كاستشاري بالطب الباطني وشهادة الدكتوراة من ألمانيا عملت لمدة عام واحد في المستشفى الوطني (التأمينات الاجتماعية) كرئيس لقسم الأمراض الباطنية ، ثم انتقلت للتدريس والعمل في كلية الطب في جامعة الملك سعود. كانت مرحلة امتدت قرابة خمس سنوات مليئة بالإنجازات الطبية الوطنية ، حيث تم تشغيل مستشفى الملك خالد الجامعي بكفاءات سعودية ودون الحاجة إلى شركة تشغيلية أجنبية متعاقدة . في كلية الطب عملت كأستاذ مساعد محاضراً وطبيب عيادة في المستشفيين الجامعيين (الملك عبدالعزيز والملك خالد) ، ولأنني كنت الطبيب الوحيد الذي تدرب في ألمانيا على غسيل الكلى بالديلزة الدموية كلفت بتشغيل وحدة غسيل الكلى ، حيث كانت التجهيزات الآلية قد تم شراؤها من قبل وركنت دون تفعيل . بعد الاتكال على الله وباستقدام ثلاث فنيات من الفلبين تم افتتاح غسيل الكلى بالديلزة الدموية في كلية الطب لأول مرة . - الاستقالة من العمل الحكومي وافتتاح عيادة خاصة ١٤٠٧هـ: كانت متطلبات الحياة لا يكفيها الراتب الحكومي وعدد الأولاد قد ازداد ، وبنصيحة من المرحوم الزميل الدكتور عبدالعزيز الزامل الذي كان قد سبقني إلى العمل الخاص ، كل ذلك كانت أسباب مقنعة للعمل في عيادتي الخاصة في حي الملز . حققت بحمد الله وتوفيقه ما أتمناه من نجاح مهني واستقرار مادي . - هواية كتابة الرأي في الصحف المحلية: بدأت كهواية متابعة موسعة للصحافة المحلية ثم كمناوشات وردود وتوسعت إلى كتابة مقال شبه منتظم في صحيفة الجزيرة ، وأحياناً في صحيفة الوطن والحياة . - مرحلة التقاعد: بعد ممارسة مهنة الطب قرابة نصف قرن أو تزيد قليلاً ومع بلوغي سن الثمانين تقاعدت في عام ٢٠٢٣م عن العمل الطبي نهائياً ، وأحمد الله على توفيقه في كل مراحل حياتي الدراسية والاجتماعية والعملية وأسأله تعالى حسن الختام . - الحالة الاجتماعية الحالية: طبيب استشاري متقاعد في حالة صحية جيدة بما يتناسب مع العمر بفضل الله وكرمه ، أسكن في بيت ملك شخصي ، ورزقني الله مع زوجتي أم عدي بثلاث بنات متزوجات منجبات يعملن كلهن برواتب مجزية ، كما رزقني ثلاثة أبناء كلهم أصبحوا أطباء استشاريين ناجحين أسأل الله لهم التوفيق والسداد . وفي الختام أغتنم الفرصة كواجب وفاء وتقدير لكي أتقدم بوافر الشكر والعرفان والحب لدولتي الرشيدة على ما قدمته وتقدمه للوطن والمواطنين من تشجيع وخطط وفعاليات تنموية رائدة وتطويرية رائدة في كل مجالات الحياة الحديثة . أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية، ولن أنسى له ما حييت مواقفه وتشجيعه ورأفته بالمحتاج ومن يعرف وأنا وعائلتي منهم بعدم أخذ أجرة الكشف والعلاج في عيادته أو زيارته للمريض في منزله، فجزاه الله خيراً.