وزارة الداخلية.. أمن ورفاه.
عندما يكون الحديث عن قطاعٍ فرعيّ، فلن تُعْدَم المحتوى السريع، أما إذا كان الاستطراد حول وزارةٍ عريقة، جذورها ضاربة في أعماق الأرض وفروعها منتشرة على السطح، فإنك ستكون أمام مهمة صعبة، إن وصفتها باختزال فقد أجحفت بحقها، وإن توسعت في الحديث عن مساحتها فلن تبلغ مداها. حقًا إنها مهمة صعبة، لكن إنسانيتها العالية تُشجع على الحديث عنها، ولو قصرت بالإحاطة بمفاصلها الجميلة، فإن حلمها كفيل بالعفو عنك وتجاوز تقصيرك. إنها وزارة الداخلية، تلك الوزارة التي تأسست في عام 1350هـ/1931م، لكنها لا تشيخ، بل على العكس تمامًا، وزارة تجدد شبابها، قوامها متألق، وأضواؤها كاشفة. تطور أذرعتها التنظيمية كما يطوّر الجسد جهازه المناعي. إنها ليست مجرد جهازٍ بيروقراطي، بل أشبه ما تكون بالغدة الدرقية في جسد الدولة. إنها تضبط الإيقاع، وتُعيد التوازن. وزارة الداخلية ليست وزارة أمنٍ فقط كما تختزنها الصور المترسخة في أذهان كثيرين، بل هي وزارة نظام، وإدارة، وحوكمة. وزارة تحفظ الأمن لكي تزهو الحياة، وتُنظم الحركة لكي تزدهر التنمية، وتضبط المخاطر لكي يطمئن الإنسان. وزارة تعمل بهدف الارتقاء بالخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين والزوار استنادًا إلى أفضل الممارسات والتجارب المحلية والعالمية، كمنصة “أبشر” على سبيل الإشادة لا الحصر. وإذا كانت وزارة الداخلية بهذه السعة والامتداد، فإن المقال مهما طال لا يتسع لتسليط الضوء على جميع أذرعها القوية، التي تتكون من شبكة عريضة ومتينة من الوكالات والمديريات والإدارات العامة والمراكز المتخصصة، إضافة إلى (13) إمارة تُنَظِّم وقع الحياة في جميع مناطق المملكة. سأحاول في هذا المقال البرهنة على أن وزارة الداخلية – السعودية - في نموذجها الجديد لم تعد تُعرَّف بوصفها جهاز ضبط، بل بوصفها مؤسسة تمكين للحياة والتنمية، وسأستدل على ذلك من خلال تجربتي مع ذراعين شاهدت شخصيًا إنجازاتهما العالية، ولمست فيهما شيئًا يتجاوز التعريف التقليدي للأمن، إنهما “المديرية العامة للأمن العام” و “المديرية العامة للجوازات”. كُلٌ منهما يمثل نموذجًا سعوديًا نادرًا في الجمع بين الصرامة والإنسانية، وبين الضبط والانسيابية، وبين الأمن والاقتصاد، وبين التقنية وجودة الحياة. ليثبتا أن السعودية لم تعد تتعامل مع الأمن كونه “حراسة” بل بوصفه إدارة حضارية للحياة. كنت فيما سبق أظن أن الأمن العام عبارة عن دوريات تجوب الشوارع، أو تتدخل عند حادث، أو نقطة تفتيش في طريق سريع. غير أن هذه الصورة النمطية وإن لم تكن خاطئة تمامًا، وجدتها شحيحة وضيقة، تخفي الحقيقة الأعمق. فبعد تشرفي بزيارة معالي مدير عام الأمن العام الفريق/ محمد بن عبد الله البسامي، واستكشاف الدرجة المتقدمة التي حققها الأمن العام في المملكة العربية السعودية، وجدت أن الأمن هو أحد الأعمدة الأساسية للحياة اليومية، والجهة التي تتقاطع عندها كل تفاصيل الاستقرار، من سلامة الفرد في منزله إلى ثقة المستثمر في مدينته، ومن انسيابية السائح في رحلته إلى طمأنينة المقيم في عمله، ومن ضبط الجريمة إلى الوقاية منها قبل أن تقع. وهنا تتبدل الفكرة جذريًا، وجدت الأمنَ لا يقف عند مهمة “القبض” على الجاني أو التحقيق معه، بل يبدأ من فلسفة أوسع تؤكد أن المجتمع لا يستقيم بلا طمأنينة. وهذه الطمأنينة ليست شعورًا نفسيًا وكفى، بل هي شرط للتمدن، ومقدمة لازدهار الاقتصاد، وتربة خصبة للنجاح. إن الحديث عن المديرية العامة للأمن العام ليس حديثًا عن جهاز يفرض النظام، بل عن مؤسسة وطنية وحضارية تطورت عبر عدة عقود من الزمن تحت مظلة وزارة الداخلية، حتى أصبحت نموذجًا في الجمع بين المهام الأمنية والخدمات الميدانية، وبين الحضور الصارم واللمسة الإنسانية، وبين سرعة الاستجابة والتكامل المؤسسي، وبين حماية المجتمع وتيسير الحياة فيه. ومع التحول الرقمي، لم تعد الشرطة في المملكة تعمل بمنطق التدخل بعد وقوع الجريمة، بل انتقلت إلى منطق إدارة المخاطر والتحليل الاستباقي، عبر تحليل البيانات، والتحقيقات الرقمية، والانتشار الذكي، والمراقبة بالكاميرات، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وهنا يصبح السؤال مشروعًا، كيف نقيس تقدم جهازٍ أمني؟ ليس بما يظهر في الإعلام فقط، بل بما تحققه المؤسسة من سرعة الاستجابة، ورفع الاحترافية، وجودة التعامل مع البلاغات، وتطوير الأدلة الجنائية، وتعزيز الإجراءات الميدانية، وتقليل هامش الخطأ، وزيادة الثقة المجتمعية. وحين يتقدم الأمن لا يكون الشرطي رقيبًا فحسب، بل يصبح حامي مجتمع، وميسر حياة، ومقدّم خدمة، ومطبق نظام. شاهدت في “مديرية الأمن العام” تطورًا مؤسسيًا يعتمد على كفاءة الإنسان واحترافيته، ويستعين بأحدث التقنيات العالية التي تكفل سرعة الاستجابة وكفاءة الإنجاز. شاهدت جودة التعامل مع البلاغات، وحوكمة الأدلة الجنائية، وتطوير الإجراءات الميدانية، وتعزيز الحضور الوقائي. رأيت عينًا ساهرة، ويدًا طويلة، وساقًا سريعة لتوفير الطمأنينة في المجتمع. رأيت تنظيم حركة المرور وضبط الحوادث والمخالفات والتحقيق فيها وإصدار رخص السيارات وقيادتها وتأمين سلامة المواطنين والمقيمين، التي تتم جميعها عبر منصة حية بالغة الإحكام ودقيقة المراقبة تعمل على مدار الساعة، وتغطي جميع مناطق المملكة ومدنها الرئيسية ومحافظاتها ومراكزها العديدة. وغني عن القول إن الاهتمام بسلامة الحجاج والمعتمرين في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة يأتي في مقدمة أولويات الأمن العام، لاسيما أن هذا الشأن يثوي في سويداء قلب “خادم الحرمين الشريفين” حفظه الله ورعاه. لقد أدْرَكْتُ أن الأمن العام ليس مجرد جهة أمنية، بل هو أحد أعمدة مشروع الدولة الحديثة. إنه الجهاز الذي يجعل المواطن يخرج مطمئنًا، والمقيم يعيش بثقة، والزائر يرى المملكة آمنة قبل أن يراها جميلة، ورجل الأعمال يتعامل مع المدن بوصفها فضاءً مفتوحًا للعمل لا ساحةً للقلق. وبقدر ما يشهد العالم تعقيدًا في أنماط الجريمة وتبدلًا في المخاطر، يظل الأمن العام السعودي نموذجًا لمعادلة صعبة، طرفاها منع الجريمة دون نزع الثقة، وحماية القانون دون كتم الأنفاس. حقًا إن “الأمن العام” يحرس البلاد ولا يخنق الحياة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى كانت الصورة السابقة التي تختزنها ذاكرتي عن جهاز الجوازات ليست بذاك الوضوح. فكنت أظن وأنا المصاب بالجهل القطاعي ومثلي كثير أن مهمة “إدارة الجوازات” منحصرة في إصدار الجوازات والإقامات وتجديدها، وختم الدخول والخروج من المملكة وإليها. لكن بعد تشرفي بزيارة سعادة مدير عام الجوازات في المملكة العربية السعودية اللواء الدكتور/ صالح بن سعد المربع، تبدد الكثير من جهلي تجاه “منظومة الجوازات السعودية” التي تطورت من مكاتب صغيرة إلى منظومة سيادية تدير الحدود وتدعم السياحة وتيسر متطلبات الإدارة. لقد اكتشفت أن الجوازات - بمفهومها المؤسسي - ليست مجرد نافذة في مطار أو في منفذ حدودي تسمح بالمرور وتفتح الطريق. وليست مجرد ختمٍ على وثيقة سفر. إنها - في جوهرها - يد ممتدة لتوديع المغادرين، ومصافحة القادمين. والتجارب العالمية تثبت أن تجربة المسافر في المنفذ معيارٌ حاسم لتقييم البلد من حيث مستوى إنسانيته، ودرجة تحضره، ومستوى احترامه للزائر قبل أن يطالبه بالامتثال. وفي المملكة العربية السعودية، تتجسد هذه المعادلة بوضوح في المديرية العامة للجوازات: جهاز يعمل بلا ضجيج لكنه حاضر في كل حركة، عند سفر المواطن، وحين إقامة المقيم، وعند دخول الزائر، وأمام تدفق الحجاج والمعتمرين. ومع التحولات الكبرى التي تقودها “رؤية السعودية 2030”، لم تعد الجوازات جهة تنفيذية وحسب، بل تحولت إلى منظومة سيادية متقدمة تعيد تعريف تجربة العبور، وتؤكد أن أمن الدولة يمكن أن يقترن بأعلى درجات الخدمة، وأن المنفذ الجوي والبري والبحري يرفع صورة الوطن ويُبرز سمعته قبل أن يكون نقطة عبور وكفى. لم تعد الجوازات في زمننا مجرد موظفٍ في منفذ حدودي فاتخ العينين يعتمد على حواسه الشخصية. لقد تحولت إلى مؤسسة تضخ الانسيابية في شرايين الدولة، من ضبط الحدود إلى إدارة تدفقات الملايين من المسافرين، ومن حماية المجتمع من التسلل والعبث بالأنظمة إلى جعل تجربة الحاج والزائر والسائح ورجل الأعمال أكثر سلاسة. بل الأهم: أن “المنفذ” لم يعد حيزًا مكانيًا فقط، بل أصبح نظامًا ذكيًا. منظومة تتنبأ وتمنع قبل أن تكتشف، عبر التكامل مع قواعد البيانات وتحليل المخاطر المسبق، والتحقق البيومتري (بصمة الإصبع، العين، أوردة اليد، صورة الوجه). ومن أبرز مؤشرات التطور النوعي: إطلاق البوابات الإلكترونية في المطارات الدولية الرئيسية لتسهيل إجراءات السفر. وهذه النقلة ليست “تجميلًا” للمنافذ، بل جزء من صناعة تجربة سفر متكاملة، تُشعر المسافر أن الدولة تحترم وقته، وتقدّر رحلته، وترى الإنسان قبل الوثيقة. وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل اهتمام الجوازات بالعنصر البشري الذي يدير منظومة التقنيات الحديثة، إذ أسست معهدًا يرقى إلى مستوى الأكاديميات العلمية والفنية، لصناعة جيل من الشباب والشابات عالي الكفاءة، وقادر على إدارة منظومة تقنية فريدة طورتها المديرية بجهود ذاتية إلى حدٍ كبير، عبر جهاز الأبحاث والتطوير الذي يُدار بأيدٍ سعودية بالكامل. كما تؤدي الجوازات دورًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن الدور الأمني، حيث تُنَظِم كافة شؤون الإقامة بوصفها علاقة قانونية بين الدولة والمقيم، لتصبح أنظمة الإقامة جزءًا من حوكمة المجتمع السعودي المتقدمة. لقد تطورت أعمال الجوازات من أعمال ورقية تتطلب حضورًا مباشرًا من المستفيد، إلى خدمة رقمية سريعة وغير مكلفة. ولو قدرنا ما وفره المواطن والمقيم وقطاع الأعمال من الساعات التي كان يمضيها في متابعة “أعماله الجوازاتية” - إن صح التعبير- لوجدناها تبلغ عدة مليارات من الريالات سنويًا. وبكل هذا وذاك، أصبحت “الجوازات السعودية” منظومة أمنية واقتصادية وتقنية: تضبط الحركة دون أن تحبسها… وتحمي الداخل دون أن تُنفر الخارج. وحين تنظر إلى وزارة الداخلية من خلال مؤسساتها الحديثة، ومنها الأمن العام والجوازات، تفهم لماذا يصعب اختزالها في تعريفٍ واحد. إنها الوزارة التي نجحت في الجمع بين ما يراه الناس متناقضًا: الأمن والانفتاح، الضبط والمرونة، السيادة والخدمة، الحزم والإنسانية، التقنية والطمأنينة. وبينما تتجه الدول إلى تحويل مؤسساتها الأمنية إلى جدران صمّاء، تقدم السعودية تجربة مختلفة: مؤسسات أمنية تُحسن استخدام التقنية لا لزيادة “الرقابة”، بل لزيادة الانسيابية، وتطوير جودة الحياة، وتوسيع الثقة. لهذا أقول إن وزارة الداخلية - في صورتها الجديدة لم تعد مؤسسة تحرس المجتمع فقط، بل منظمة تجعل المجتمع مُمَكنًا. كان سُراةُ الليل يستدلّون بالثُّريّا، واليوم وزارةُ الداخلية تستضيء برؤيةِ “السعودية 2030” إنها منظومة أمنٍ ورفاه، ووزارة تُجَدِد شبابها فلا تشيخ. وبعد الوقوف على هذا التطور الهائل، الذي أنجزته “وزارة الداخلية” تحققت أن الأمن عِلْمٌ وإدارة وإبداع. وتذكرت دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام “وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا وارزق أهلَه من الثمرات” الآية (126) من سورة البقرة.