التواصل المؤسسي..

ركيزة استراتيجية في تعزيز الأمن الوطني وصناعة الصورة الذهنية .

يشهد العالم تحولات متسارعة في طبيعة الصراعات، حيث لم تعد مقتصرة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، وأصبحت المعلومة والصورة والرسالة الاستراتيجية أدوات تأثير لا تقل خطورة عن السلاح. وفي هذا السياق، يبرز التواصل المؤسسي أو التواصل الاستراتيجي في قطاع الدفاع والأمن كأحد أهم الممكنات الاستراتيجية التي تسهم في حماية الأمن الوطني، وتعزيز الاستقرار، ودعم السياسة الخارجية، وصناعة الصورة الذهنية الإيجابية للدولة. وفي المملكة العربية السعودية، وبحكم دورها المحوري إقليميًا ودوليًا، ومسؤولياتها السياسية والأمنية، أصبح التواصل المؤسسي في جهات الدفاع والأمن جزءًا أصيلًا من منظومة العمل السيادي، وعنصرًا داعمًا لتحقيق مستهدفات استراتيجية الأمن الوطني واستراتيجية الدفاع الوطني وغيرها من الاستراتيجيات ذات الصلة لهذا القطاع الحيوي. ومن واقع التجربة العملية داخل هذا القطاع، يتضح أن التواصل المؤسسي لا يُقاس بعدد المنشورات أو حجم التفاعل، بل بمدى دقة الرسالة، وانضباطها، وأثرها على الأمن الوطني وصورة الدولة وثقة المجتمع. فالمعلومة هنا ساحة مواجهة، والكلمة قد تعادل في أثرها قرارًا سياديًا. ولذلك يُعد التواصل المؤسسي أحد الأذرع غير المرئية للدولة في تشكيل الوعي العام وحماية المصالح العليا. ويُعرّف التواصل المؤسسي بأنه الإطار الذي تُدار من خلاله علاقة الجهة بمنسوبيها ومجتمعها وشركائها ووسائل الإعلام، بما يضمن اتساق الرسائل وتحقيق الأهداف الاستراتيجية. غير أن هذا المفهوم يكتسب بعدًا سياديًا خاصًا في قطاع الدفاع والأمن، حيث تحكمه اعتبارات السرية والأمن والانضباط، ويتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة المؤسسة وسياقها الوطني. ولا يقوم التواصل المؤسسي في هذا القطاع على الترويج أو التسويق كقطاعات أخرى، بل على ضبط الخطاب، ومنع التضليل، وتفسير المواقف دون كشف التفاصيل، وتعزيز الثقة دون الإخلال بالاعتبارات الأمنية. وتشمل منظومته: العلاقات العامة، والإعلام، والتواصل الداخلي والخارجي، والمسؤولية المجتمعية، وجميعها تعمل وفق سياسات وإجراءات صارمة وموافقات متعددة المستويات. ويرتكز دور التواصل المؤسسي على تحقيق التوازن بين الشفافية المسؤولة والحفاظ على الأمن المعلوماتي، حيث من حق المجتمع الاطمئنان والثقة، دون كشف معلومات قد تُستغل أو تُساء قراءتها. كما يسهم التواصل المؤسسي في دعم استراتيجيات الأمن والدفاع من خلال ترجمة الأهداف الاستراتيجية إلى رسائل منضبطة، وتعزيز الردع المعنوي بإبراز الجاهزية والاحترافية، ودعم السياسة الخارجية بخطاب إعلامي متزن، وبناء الثقة مع المجتمع داخليًا وخارجيًا. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى مسؤول التواصل المؤسسي بوصفه ناقلًا للمعلومة، أو ضابط اتصال فقط، بل صانعًا للصورة الذهنية، وحارسًا للخطاب، وشريكًا في حماية الأمن الوطني. ويتطلب هذا الدور وعيًا سياسيًا وإعلاميًا، وفهمًا عميقًا للدبلوماسية السعودية وسياستها الخارجية ، وقدرة على استشراف ردود الفعل وتقدير التوقيت واختيار المفردة بعناية. فالصفات المطلوبة للعمل في مجال التواصل المؤسسي يجب أن تراعي حساسية هذا القطاع ، فالعمل في التواصل المؤسسي الدفاعي لا يناسب كل إعلامي أو أخصائي علاقات عامة ، فالمسألة هنا لا تتعلق بالمهارة فقط، بل بالسمات الشخصية والمهنية. ومن أبرز الصفات التي يفرضها الواقع العملي، هي:حس أمني عالٍ وقدرة على تقدير المخاطر، فهم شامل للاستراتيجيات الوطنية، ووعي سياسي وإدراك لطبيعة العلاقات الدولية للمملكة ودورها الإنساني، وانضباط صارم واحترام للتسلسل التنظيمي ،بالإضافة إلى القدرة على العمل تحت الضغط وفي بيئات حساسة ، ووعي رقمي عميق بمخاطر منصات التواصل الاجتماعي. وتواجه إدارات التواصل المؤسسي في قطاع الدفاع والأمن مخاطر إعلامية متعددة، أبرزها تسريب المعلومات، وسوء تفسير الرسائل، واستغلال المحتوى في حملات تضليل، والتفاعل غير المنضبط في منصات التواصل الاجتماعي، والفراغ الإعلامي الذي يسمح بانتشار الشائعات. ويكمن التعامل مع هذه المخاطر في بناء وعي مؤسسي، وسياسات واضحة، وتدريب مستمر، وإدراك أن التواصل خط دفاع أول. وفي الختام، لم يعد التواصل المؤسسي في قطاع الدفاع والأمن وظيفة مساندة، بل ممارسة سيادية ورافعة استراتيجية تسهم في حماية الوطن، وتعزيز مكانته، ودعم سياساته، وصناعة الثقة. فحين تُدار الكلمة والصورة باحتراف، تصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني، لا عبئًا عليها، وتنسجم مع تطلعات القيادة الرشيدة ومستهدفات رؤية السعودية 2030. mnalabdulsalam @ * إعلامي سعودي