السعودية ميزان العروبة.
في زمنٍ تتبدّل فيه المواقف، وتتهاوى المبادئ تحت وطأة المصالح، تقف المملكة العربية السعودية شامخةً شموخ الجبال، وراسخةً رسوخ العقيدة؛ لا تحيد عن ثوابتها، ولا تساوم على عروبتها، ولا تتردد حين تناديها المسؤولية التاريخية. إنها دولةٌ تملأ الكون اتزانًا، ثابتة الخطى، متجذرةٌ في أعماق التاريخ، لا تهزها الأزمات، ولا تنال منها المحن؛ بل هي الملاذ الآمن والأم الرؤوم لكل من التجأ إليها واحتمى بحماها، وما سوريا، واليمن، والسودان، وفلسطين، وكل دول المنطقة منكم ببعيد. إن المتتبع للدور الريادي للمملكة العربية السعودية، والقارئ المتمرس لتاريخها السياسي، سيجد أن مواقفها كانت وما تزال نبراسًا للوضوح والثبات، يشهد لها التاريخ قبل أن تسجلها الوثائق وتدونها الأقلام. ففي عام 1973م رفضت المملكة المساس بوحدة مصر، وفي عام 1990م وقفت موقفًا حاسمًا رافضًا لغزو الكويت، وفي عام 2003م أعلنت بوضوحٍ رفضها لغزو العراق، وفي عام 2011م تصدّت لمحاولات تقسيم البحرين. وها هي في عام 2025م تجدّد موقفها الثابت الرافض لتقسيم السودان، ولها في اليمن في العام ذاته صولةٌ وجولةٌ حافظت فيها على وحدة “اليمن السعيد” بحدّه وحديده. وقبل ذلك، كان للمملكة -ولسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان- السعي الكامل والفضل الأكمل في رفع العقوبات عن سوريا، وإعادتها إلى حاضنة العروبة، بعد أن كادت تُسلَب هويتها، وتُدفع بعيدًا عن عمقها العربي. والمملكة لا تكتفي برفض مشاريع التقسيم فحسب، بل نجدها في كل نازلةٍ أو محنةٍ تصيب دولةً عربيةً، سبّاقةً إلى تقديم العون والدعم بسخاءٍ منقطع النظير، انطلاقًا من مسؤوليتها القومية والإنسانية، وإيمانها الراسخ بأن قوة العرب في وحدتهم، وأمنهم في تضامنهم. إنها -بلا منازع- صاحبة القرار المؤثر في الشرق الأوسط، وصمام الأمان لدول المنطقة. وكيف لا؟ ونحن نشاهد ونسمع هذه السيمفونية السياسية المتقنة التي يعزفها عرّاب المنطقة سمو الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في ميادين السياسة والعلاقات الدبلوماسية على المستويات كافة، بحكمة القائد، وهمةٍ عاليةٍ كعلوّ هذه الدولة. وإني لأتمثل فيهم قول الشاعر العربي/ صفي الدين الحلي، حينما قال: سَلي الرِماحَ العَوالي عَن مَعالينا وَاِستَشهِدي البيضَ هَل خابَ الرَجا فينا لَمّا سَعَينا فَما رَقَّت عَزائِمُنا عَمّا نَرومُ وَلا خابَت مَساعينا قَومٌ إِذا اِستُخصِموا كانوا فَراعِنَةً يَوْمًا وَإِنْ حَكَمُوا كانُوا مَوازينا تَدَرَّعوا العَقلَ جِلبابًا فَإِن حَمِيَت نارُ الوَغى خِلتَهُم فيها مَجانينا إِذا اِدَّعَوا جاءَتِ الدُنيا مُصَدِّقَةً وَإِن دَعَوا قالَتِ الأَيّامُ آمينا إِنّا لَقَومٌ أَبَت أَخلاقُنا شَرَفًا أَن نَبتَديَ بِالأَذى مَن لَيسَ يُؤذينا بيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وَقائِعُنا خُضرٌ مَرابِعُنا، حُمرٌ مَواضينا إِنَّ الزَرازيرَ لَمّا قامَ قائِمُها تَوَهَّمَت أَنَّها صارَت شَواهينا ظَنَّت تَأَنّي البُزاةِ الشُهبِ عَن جَزَعٍ وَما دَرَت أَنَهُ قَد كانَ تَهوينا إِنّا لَقَومٌ أَبَت أَخلاقُنا شَرَفًا أَن نَبتَديَ بِالأَذى مَن لَيسَ يُؤذينا بيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وَقائِعُنا خُضرٌ مَرابِعُنا، حُمرٌ مَواضينا ختامًا، تبقى المملكة العربية السعودية أنموذجًا للدولة التي جمعت بين صلابة الموقف، ورجاحة العقل؛ فلم تكن يومًا ممن يبدؤون بالأذى، ولا ممن تستهويهم الفوضى، بل كانت -كما قال الشاعر- ممن “تدرّعوا العقل جلبابًا”. فحكموا حين احتدم الخلاف، وثبتوا حين اضطربت الموازين، وإذا دعت إلى وحدة الصف جاءت الدنيا كلها تقول “آمينا”، وإذا سعت لم يخب رجاؤها، ولم تتعثر مساعيها. هي دولةٌ بيضٌ صنائعها في أوقات السلم، سودٌ وقائعها حين تُفرض المواجهة وتضطرم نار الحرب، خُضرٌ مرابعها بالأمن والاستقرار والعطاء بسخاءٍ للقريب والبعيد. وهكذا ستظل المملكة بثوابتها وعزمها ميزان العدل، وركيزة الاستقرار، وقلب العروبة الذي لا يخفق إلا لوحدة الأمة وقوتها. *أحد طلبة المنح التعليمية السعودية لليمن الشقيق