المسافة بين نظامين.
في زمن يُفترض أن تكون فيه الأنظمة متقاربة، والإجراءات أكثر سلاسة، تبرز أحياناً مسافات غير مبررة. مسافات لا تنشأ من قصور في الأنظمة نفسها، بقدر ما تولد من اختلاف في فهمها أو تطبيقها. فحين يتخذ صاحب نشاط تجاري قرار التحول من مؤسسة فردية إلى شركة، فهو لا يغير اسماً أو وصفاً قانونياً فحسب، بل ينتقل إلى مرحلة أكثر تنظيماً ووضوحاً، وهو ما تشجعه الأنظمة وتدعو إليه. لكن ما يُلاحظ في الواقع أن ما بعد هذا التحول لا يكون دائماً بالسهولة المتوقعة. فالإجراءات التي يُفترض أن تتكامل قد تتباعد، خاصة عندما تتداخل أكثر من جهة في المسار نفسه. والتحديث الذي يطال الكيان النظامي من المفترض أن ينسحب تلقائياً على بقية التعاملات المرتبطة بالنشاط، وفي مقدمتها التعاملات المصرفية، بوصفها جزءًا أصيلاً من النشاط لا ملفاً منفصلاً عنه. ويتداول أصحاب الأعمال تجارب متشابهة تشير إلى أن تحديث الحسابات البنكية القائمة بعد التحول النظامي قد يواجه مطالبات متعددة بمستندات مختلفة. بعض هذه المتطلبات واضح ومفهوم، لكن بعضها الآخر لا يجد له سنداً نظامياً صريحاً. فعقد تأسيس الشركة والسجل التجاري الجديد يثبتان الكيان القانوني بشكل كاف، ومع ذلك تظهر أحياناً متطلبات إضافية تُقدم بوصفها شرطاً للإجراء، رغم اكتمال الوثائق الأساسية الأهم نظاماً، وهو ما يجعل التعقيد ناتجاً عن ترتيب الأولويات الإجرائية أكثر من كونه خللاً في النظام نفسه. وهنا تتضح فعلياً المسافة بين نظامين: نظام يحدد بوضوح ما يثبت الكيان القانوني، ونظام تنفيذي يتعامل بحذر مبالغ فيه أو بتفسير لا ينسجم تماماً مع المرجعية المعتمدة. هذا التباين لا يعطل الإجراء فحسب، بل يخلق شعوراً بأن النص النظامي شيء، وتطبيقه شيء آخر. واللافت أن بعض هذه الحالات توحي بأن البدء من جديد - كفتح حساب جديد مثلاً - قد يكون أسهل من تحديث حساب قائم، وهو أمر يصعب فهمه أو تبريره. فالتحديث، بطبيعته، يجب أن يكون أبسط وأقصر، لا أطول وأكثر تعقيداً، خاصة عندما يكون النشاط قائماً والعلاقة مستمرة. هذا الطرح لا يأتي بوصفه حالة شخصية، ولا بدافع الشكوى، بل قراءة لواقع إجرائي يتكرر بما يكفي ليكون محل تساؤل ومراجعة. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد النماذج ولا بكثرة الطلبات، بل بمدى انسجام الإجراءات، واحترام ما تقره الجهات التنظيمية، وتخفيف الأعباء غير المبررة عن أصحاب الأنشطة. إن تقليص المسافة بين النظامين - التنظيمي والتنفيذي - لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها المرحلة. فحين يقترب التطبيق من النص، وتنسجم الإجراءات مع أهدافها، يصبح التحول خطوة طبيعية وميسرة، لا عثرة إضافية في طريق كان يفترض أن يكون أوضح وأسهل.