اقتصاد الكلمة في زمن المعرفة.

في وقتنا الحاضر، من يجيد لغة الكلام بطريقة لبقة تتفتح له الأبواب؛ فالكلام لغة بحد ذاته وضرورة لا غنى عنها، ومن لا يجيدها يخسر من ناحيتين أساسيتين. فالكلمة هي العملة الوحيدة التي لا يصيبها كساد، وفي عصر يكثر فيه الزخم المعلوماتي لا يهم كم تعرف، بل كم تستطيع أن تقنع الآخرين بما تعرف. الأولى قوة الشخصية التي تُبهر الأطراف المقابلة، فلا يخفى على أحد ما لهذه القوة من أثر بالغ على من يتمتع بها، وأبرز مظاهرها احترام الآخرين وأن يكون صاحبها محط أنظارهم. فلا يمكن قيادة مشروع معين ما لم تتوافر لدى صاحبه قوة الشخصية، ومن أهم مظاهر هذه القوة القدرة على الكلام وإبداء الرأي من خلاله. فمن تبرز لديه إجادة الكلام ضمن شخصية قوية يقدر على الإدارة والقيادة وصناعة الرأي. أما الناحية الأخرى ما يخسره من لا يجيد الكلام ولباقته فهي جلب المال؛ لأن من لا يجيد الحديث غالبًا ما يُنظر إليه على أنه ضعيف الشخصية، ولا يمكن لتاجر أو مدير شركة ربحية أن ينجح وهو لا يجيد الحديث، ولا سيما عند عرض سلعته أو تقديم خدماته. أغلب الشركات الربحية والدوائر الحكومية تضع إجادة الكلام ضمن اشتراطاتها، ويتجلى ذلك في إخضاع المتقدمين للوظائف إلى مقابلات شخصية، تُطرح فيها الأسئلة لا لمعرفة الإجابة بقدر ما هي لمعرفة أسلوب الحديث والقدرة على التعبير، باعتبارها مؤشرًا على شخصية متميزة قادرة على شغل الوظائف الشاغرة، وتنمية ما فيها من تقدم وإبراز. وهنا يبرز السؤال المهم: هل إجادة الكلام موهبة تولد مع صاحبها، أم مهارة تُكتسب بالتدريب والتعليم؟ لا شك أن كل إنسان يتكلم للتواصل مع محيطه، لكن المقصود بإجادة الكلام هو التحدث بطريقة لبقة تقنع من أمامك. والطريق السليم لاكتساب هذه المهارة يكون عبر التدريب والتعلم، وبناء الثقة منذ الصغر من قبل الأسرة، وتشجيع الأبناء على المواجهة وإبداء الرأي، فتنشأ لدى الطفل ثقة لا تجعله يهاب الحديث أمام الآخرين، ويكبر وتكبر معه هذه المهارة. كما أن للمدرسة دورًا مهمًا في هذا الجانب، من خلال تشجيع المعلمين للطلاب على قوة الحديث والقراءة الجهرية داخل الفصل، وتنمية القدرة على التعبير، وخصوصًا عبر الإذاعة المدرسية والأنشطة المصاحبة لها. ومع الأسف، لا توجد لدينا مناهج متخصصة بفن الخطابة تمنح الطالب القوة في طرح رأيه. ولعل من المهم أن تفكر وزارة التعليم في هذا الاتجاه، بتخصيص برامج تعليمية تُعنى بتعليم الخطابة وفنون الحديث بشكل جيد، خصوصًا أن خريجي المدارس والجامعات يواجهون المقابلات الشخصية التي تحدد مستواهم وقدراتهم. كما أن تنمية هذه المهارة تعكس صورة إيجابية عن المجتمع، وقدرته على إبداء رأيه ونقل علومه ومعارفه عبر الحديث. وخلاصة القول: إن من يجيد لغة الكلام بشكل جيد يبني صروحًا معرفية وفكرية، أما من لا يجيدها فتبقى معارفه وثقافاته مكتنزة، كحال الأموال في الصندوق، لا تنمو ولا يُستفاد منها.